خالد نعمة: عن ديكتاتورية الأفكار
قد يسأل بعضنا: وهل للأفكار أثرٌ ديكتاتوريٌّ؟
في الحقيقة وبالمختصر: نعم، فقد تتحوَّل الفكرة في كثير من الأحيان إلى أداة للقمع والقهر أيضاً.
لكن متى يحصل ذلك؟
وباختصار أشد: عندما تصبح مسيطرة ومهمـِّـشة لكل الأفكار الأخرى التي قد تأتي بجديد مطلوب، أو تفتش بين الثنايا عن ثغرات الأفكار السابقة ومثالبها من أجل تصحيحها أو لتجاوزها، وعندما يمسك بتلابيبها أصحاب المصالح الذاتية الآنية البعيدة كل البعد عن مصالح أوسع الفئات المتضرِّرة من تخلـُّـف الفكرة وسوء تجليـَّـاتها وعدم راهنيتها، ويفرضونها غصباً من الأعلى بحكم إمساكهم بمفاصل القرارات والسياسات والهياكل التنظيمية، دونما أدنى اقتناع من جمهور متلقيها، الذين يـُـفترض بهم أن يعيدوا عكسها، ليقنعوا بها آخرين من جماهير أخرى خارج نطاقهم.
ويظهر هذا الأثر الديكتاتوري للفكرة المهيمنة، عندما يـُـغلق باب الجدل والحوار وصراع الأفكار على نحوٍ نهائيٍّ، ويـُـمنع أي كلام آخر في وسائل الإعلام المـُـقيـَّـدة بالتحزُّب الأعمى، ولا يـُـسمح بغير ما أتت به الفكرة السائدة والشروحات عليها ممـَّـن نصـَّـبوا أنفسهم أولياء وأوصياء على الفكر والتفكير.
وقد يسأل آخرون: وماذا عن الأفكار النقيضة والمجابهة لما هو سائد؟ ألا يحتمل أن يكون فيها بذرة لديكتاتورية ما قد تتكشـَّـف مـُـستقبلاً؟
والإجابة على ذلك بسيطة للغاية، فمحكُّ كلِّ فكرة هو الواقع، ولا يمكن الحكم على شيء إلا بتجربته على أرض واقعية، وإسباغ الصفات على الأشياء والأفكار والأعمال قبل الإتيان بها هو ضرب في الرمل وتبصير لا علم. وهنا يصح القول: عندما يأتي الصبي، نصلـِّـي على النبي.
أمـَّـا التشبث بما جرى تجريبه عشرات المرَّات، وأثبتت الحياة خطأه المرَّةَ تلو الأخرى، فهو ليس أكثر من عناد قاتل لصاحبه ولو بعد حين في أحسن الأحوال، وقاتل في كلِّ الحالات لجميع من يطاله ذلك الفائت آوانه.
وهنا أيضاً سيجد المرء أحد التجليـَّـات الفاقعة لديكتاتورية الفكرة الواحدة، التي أعلنت معصوميتها، وأغلقت أبواب النبوَّة من بعدها.