يحيى زيدو: وجوهٌ كالأقنعة

وجوهٌ.. وجوهٌ
الوجوه حولنا في كل مكان
تدلف صوبنا من الأبواب المُشرعة
ترنو إلينا من النوافذ المُقفلة
تحدِّق فينا طوال الوقت
ترمقنا بنظرات اللوم أو الرجاء
تتسلُّلُ من شقوق الذاكرة.. تتراءى من أضغاث الحلم

*****
وجوهٌ.. وجوهٌ
نلبسها و ننزعها حسب مقتضى الحال:
وجهٌ ضاحكٌ كنهارٍ ربيعي.. وجهٌ عابسٌ كليلةٍ شتويةٍ
وجهٌ كئيبٌ كقمرٍ خريفيٍّ شاحب
وجهٌ متردِّدٌ كنجمةٍ بعيدةٍ خافتة
وجهٌ يخبو كنثيث خيط الشمع
وجهٌ ماكرٌ كذئب.. وجهٌ عذبٌ كالندى
وجهٌ من ذهب.. وجهٌ من حديدٍ صدئ
وجهٌ صامتٌ كتمثال.. وجهٌ منسابٌ كالموسيقا
وجهٌ يخاف أن يدركه الناس
وجهٌ يستحيل أن تنساه
وجهٌ يسقط من ذاكرتك حين يغادرك
وجهٌ تتعرى أمامه و تبوح حتى بخطاياك
وجهٌ تخشى أن تخبره حتى باسمك
وجهٌ تتمنى أن لا تلقاه
وجهٌ تدعو في السِرِّ و العلنِ أن تراه
وجهٌ مطمئِنٌ.. وجهٌ يثير الريبة
وجهٌ قبيحٌ كإعلان النعوة.. وجهٌ جميلٌ كقوس القزح
*****
وجوهٌ.. وجوهٌ
كأنَّها الأقنعة في مسرح الدمى المتحركة
نلبسها كلَّ يوم، ونستبدلها عشرات المرات
نخلعها قبل النوم، ونعيد ارتداءها في الصباح
لا أحد يجرؤ أن ينزع قناعه ليرى وجهه
فيصفعه إن كان مذنباً
و يعاتبه إن كان مخطئاً
أو يصارحه وجهاً لوجه
قليلون مَن يرتدون وجوههم بنسختها الواحدة
كثيرون أولئك الذين يتقنعّون بوجوههم
من يجرؤ أن ينزع وجهه القناع ..؟!!
--------------
* اللوحة: من أعمال الفنان السوري issam darwich