جلال فاروق الشريف: من أجل عمل صحفي أفضل (افتتاحية العدد الأوّل من "تشرين")

كتب تميم دعبول:

شاهد على الصحافة السورية
ملحق 1

بما أننا نتحدث عن بدايات جريدة "تشرين". قام زميلي وصديقي عصام داري احد الصحفيين الذين شهدوا بدايات جريدة تشرين ورافقوا مسيرتها منذ التأسيس. بتزويدي مشكورا بنصين هامين. الأول هو البيان المكتوب الذي توجه به رئيس التحرير. جلال فاروق الشريف للقراء في العدد الأول من الجريدة تحت عنوان "من أجل عمل إعلامي أفضل" والذي تحدث فيه عن الصعوبات والطموحات والظروف التي رافقت انطلاقة الجريدة. والثاني نص البيان المشترك الذي نشره الكاتبان زكريا تامر ومحمد الماغوط قبل يوم من بداية كتابتهما ل "عزف منفرد" كمدخل لهذه الزاوية التي بقيت إلى جانب "يوميات نزقة" علامة فارقة في الصحافة السورية منذ بداياتها وحتى الآن..
وهذا نص البيان الأول. فيما سانشر بيان الماغوط وزكريا في وقت لاحق.
مع التأكيد على شكري للزميل عصام على مبادرته الكريمة هذه.

" من أجل عمل صحفي أفضل "

عندما طرحت فكرة إصدار صحيفة يومية ثالثة في دمشق،كنت معارضاً.كانت وجهة نظري أن عدم توفر الكوادر الصحفية والتجهيزات الطباعية تجعل هذه المحاولة غير ممكنة. كما كانت وجهة نظري أيضاً أنه حتى في حال توفر الكوادر الصحفية والتجهيزات الطباعية. فالجديد لن يكون جديداً حقاً.سيكون مجرد تكرار لأشكال قائمة وممارسات سائدة.أي أنه لن يقدم الإضافة المطلوبة من مؤسسة جديدة.
ولقد كان لدي من الحجج المقنعة ما يكفي لتدعيم رأيي الذي طرحته بدون تحفظ وبصراحة تكاد تكون غير مستحبة.فالموقف لا يحتمل المجاملة.وعندما خرجت من الاجتماع لم يكن يساورني أي شك في عقم المحاولة.
وفي كل مرة بعدما يدور نقاش فيها كنت أتمسك بوجهة نظري وأتوسع في شرح رأيي وأدعمه بمزيد من الحجج الواقعية الملموسة المستمدة من واقعنا الإعلامي.
وعندما صدرت هذه الجريدة اعتبرت ذلك مغامرة غير محسوبة العواقب.وشاركني في الرأي الكثيرون الذين قد يكونون حتى الآن مازالوا عند ذلك الرأي.
وعندما قبلت تحمل مسؤولية هذه الجريدة بعد صدورها والمؤسسة التي تصدر عنها، اعتبرت ذلك تكليفاً لا أستطيع رفضه.إنه ثقة أوليتها،وعلي أن أحترمها،ومسؤولية حماتها علي أن أواجهها.
وعندما بدأت العمل فيها لم أحرق مراكبي.فليس من اليسر على المرء أن يغير قناعاته كما يبدل ثيابه.كنت أقول فيما بيني وبين نفسي:
- لدي من الشجاعة ما يكفي لاعتراف بالفشل إذا أخفقت، ولكي أنسحب.
كانت الصعوبات أكثر من أن تطاق.
صعوبات مادية كبيرة.لا مبنى. لا مكاتب. لا كوادر. لا أنظمة لا ميزانية. لا مطابع.
وصعوبات معنوية أكبر.عدم قناعة بالممارسات الإعلامية السائدة.عدم ثقة بإمكان التغيير. وشعور أننا نعيش في عصر«سيزيف».
كانت البداية في نظري من تحت الصفر.وكان هذا لجعل أجرأ مغامر يرفض هذه المحاولة..
غير أن إغراء المهنة الذي استيقظ كان كبيراً أيضاً.كان لا يقاوم حتى ولو كانت المحاولة ضرباً من المستحيل.
بل كان ثمة ما هو أقوى من هذا الإغراء.إنه الثقة.الثقة بالبلد وبإمكانياتها.وبأن هذه الإمكانيات إذا ما أتيح لها أن يحسن توظيفها يمكن أن تقدم ما هو جدير بها حقاً.
من هنا كانت البداية الأولى.
لم نعد متشائمين ولكننا لم نتوصل بعد إلى أن يغمرنا الأمل الكبير.غير أن الثقة عادت إلينا وهي تكفي لمتابعة الطريق.
شعورنا بأن الكثيرين بدأوا يثقون بمحاولتنا يقدم لنا اليوم أفضل حافز على الاستمرار.
عشرات المواهب الصحفية الناشئة التي تأتي إلينا تعطينا دماً جديداً.
رؤية العديد من الذين يريدون لعملهم الصحفي أن يتنفس في مناخ صحي تدفعنا إلى الأمام.
هذه هي بتواضع مبررات محاولتنا.
كجندي في جيش الإعلام أعتز بثلاثة مواقف:
- صبيحة 16 تشرين الثاني عام 1970.
- وصبيحة السادس من تشرين الأول عام 1973.
- وساعة قبلت تحمل مسؤولية هذه الجريدة.

«جلال فاروق الشريف»