إقطاعيات البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية ومشروع قانونـ"ها" 1909 برفع سقف الملكية الزراعية

كنب الدكتور عبد الله حنا:

هذا عنوان مقالة لكاتب هذه الأسطر نشرتها جريدة النور الدمشقية بعد تردد لإلقاء الضوء على مشروع قانون برفع سقف الملكية الزراعية أعدته وزارة الزراعة ووافق عليه مجلس الوزراء.
ومشروع القانون هذا يلغي قانون الإصلاح الزراعي الصادر عام 1963 في عهد البعث. ويتنكر لتاريخ الحركة الوطنية المزدهرة في منتصف القرن العشرين. ويمهد السبيل لتمكين فئات تملك المال والسلطة من التحكم بالأرض والفلاحين، كما أنه يرسّخ دعائم الاستغلال بالأساليب الرأسمالية الطفيلية.
ومقارنة بسيطة تبيّن أن قانون عام 1963 جرى تطبيقه لصالح عشرات الآلاف من الفلاحين الذين استفادوا من الأرض الموزعة عليهم، أما مشروع القانون الحالي فستستفيد منه تلك الفئات، التي نهبت المال العام وتاجرت في السوق السوداء والسمرسرة واغتنت... والتي تريد أن تشتري أراضي الفلاحين لتبيّض هذه الأموال المنهوبة من خيرات الوطن تحت ذرائع واهية.
***
مزارع المتنفذين والاستثمار الطفيلي
عندما كنت عام 1983 أقوم، بتكليف من الاتحاد العام للفلاحين، بجولة ميدانية في سائر أنحاء سورية لكتابة تاريخ الفلاحين، تقدم أحد الفلاحين في رابطة قطنا الفلاحية الواقعة أراضيها على السفوح الشرقية لجبل الشيخ، وسألني محتجاً: أنت تكتب عن الإقطاع في العهود السابقة، فلماذا لا تكتب عن إقطاعيي هذه الأيام؟.. وسمّى لي أسماء أصحاب المزارع ومعظمهم من المتنفذين من مدنيين وعسكريين، الذين أخذوا الأراضي، حسب قوله، بالمال والسلبطة والاحتيال والتهديد والوعيد وغيرها من الوسائل، التي يعرفها أهل المنطقة، كما ذكر.
***
والسؤال هل تُسهم مزارع البورجوازيات البيروقراطية في عملية الإنتاج؟
وبناء عليه نقترح دعوة الصحفيين ومن يهمهم الأمر لزيارة المزارع الحالية للبورجوازيات البيروقراطية والتجارية، ومعرفة ما إذا كانت هذه المزارع تقوم بوظيفتها الإنتاجية؟.. أم أن معظمها أُنشئ للترفيه والسباحة و(شم الهوا) لتلك الفئات التي لم تتعب في جني المال عندما (اشترت) تلك الأراضي وحوّلتها إلى مزارع وعبثت بالمخزون المائي بسبب حفر الآبار عشوائياً و دون رادع أو ضمير، مما أدى إلى انخفاض مخزون مستوى المياه الجوفية وجفاف المئات من تلك الآبار. فمَن يضمن أن من سيستفيدون من رفع سقف الملكية الزراعية سوف يتقيدون بعدم حفر الآبار عشوائياً وبقوانين الري الحديث؟... وسيجد من يزورون تلك المزارع أن معظمها لا يسهم في العملية الإنتاجية الزراعية، فهي خارج نطاق الاستثمار. والسؤال هل ستدخل المزارع الجديدة إذا صدر قانون برفع سقف الملكية (لا سمح الله) مجال الاستثمار، أم هدفها غسل الأموال والتحول إلى سلعة للبيع والشراء والمضاربة بالأراضي (كما جاء في جريدة اتحاد الفلاحين ، التي تجرأت وانتقدت السياسة الطفيلية لأهل السلطة).
شتّان بين البورجوازية الوطنية المنتجة
والبورجوازيات الطفيلية
علينا أن نفرّق بين أساليب الاستثمار الزراعي الرأسمالي للبورجوازية المنتجة في منتصف القرن العشرين، وبين أساليب الاستثمار الزراعي لهذه البورجوازيات الطفيلية، التي لا تحفظ عهداً ولا ترعى ذمّة في أواخر ذلك القرن . فالبورجوازية السورية المنتجة كان لها تاريخها المجيد، وتغوص جذورها في أعماق أرض الوطن وتسعى جاهدة للتنمية وتجاوز عهود التخلف. أما البورجوازيات الهجينة لهذه الأيام (هذا الكلام مكتوب 1999) فهي تقف على طرفي نقيض من البورجوازية الوطنية المنتجة.
والبورجوازيات الطفيلية اليوم، هي ربيبة الرأسمالية العالمية المتوحشة. وهذه الرأسمالية العالمية المتوحشة قطعت جذورها مع البورجوازية الثورية العالمية المناهضة للإقطاع والداعية إلى الحرية والعدالة والمساواة. ومن فتات موائد تلك الرأسمالية العالمية المتوحشة ظهرت البورجوازيات الطفيلية في البلدان الأخرى.
من السخرة الإقطاعية
إلى سخرة البورجوازيات البيروقراطية
أحد البورجوازيين البيروقراطيين اشترى أرضاً بأسعار رخيصة في منطقة قطنا، إلى الجنوب الغربي من دمشق، حيث تكثر مزارع المتنفذين من البيروقراطيين، الذين حصلوا عليها بوسائل شبيهة بما كان يجري أيام العثمانيين . جلب هذا البيروقراطي، مجاناً، واعتماداً على نفوذه في دوائر الدولة معدات تابعة للدولة مع أطقمها البشرية لاستصلاح الأرض. وأتت حفّارة ملك للدولة وحفرت، مجاناً، بئراً للمزرعة دون أن يدفع ذلك (المعلم) فلساً واحداً. وكان عدد من الشباب المجندين أرسلهم (معلموهم) لاسترضاء (المعلم الآخر) يقوم بإنجاز ما تحتاجه المزرعة وفقاً لمخطط وُضِع مجاناً أيضاً. وشاءت المصادفة أن يصل البيروقراطي ، واسمه عندي ، إلى المزرعة (إقطاعيته) بسيارته المرسيدس السوداء (وهي سيارة للدولة) في الوقت الذي أخذ ماء البئر يتدفق. في تلك اللحظة اندفع الشباب المجنّد (المسخّر) باتجاه المسؤول الكبير وتحلقوا حوله وهم يهللون مبشرينه (بتفجّر الماء) ويطلبون (حلوان البشارة). ولم يكن أمامه من خيار سوى تحقيق رغبة الشباب. فأرسل سائقه واشترى لهم عشرة فراريج مشوية.
والطريف في الأمر أن ذلك المسؤول الكبير بقي مدة طويلة من الزمن يتحدث عن " كرمه " وأنه اشترى الفراريج للشباب من جيبه الخاص. كيف لا، وهو، كغيره من البيروقراطيين، اعتاد أن يأخذ من مصادر مختلفة وبأساليب متنوعة، ولكنه لم يعتد على العطاء؟!
هذا النوع من السخرة البيروقراطية في إقطاعيات البورجوازية البيروقراطية يختلف عن السخرة الإقطاعية الجارية قبل الإصلاح الزراعي، وهذا ما تحدثنا عنه بالتفصيل وبالوقائع الدامغة في كتاب تاريخ القلاحين المُباد.
فهل ستسخر البورجوازية البيروقراطية الشباب المجند في إقطاعياتها الجديدة إذا أُقرّ مشروع القانون؟.. وكيف سُتعامل العاملين في إقطاعيتها، ووفق أي قانون؟.. وهل سُيطبق قانون في تلك الإقطاعيات؟.. نأمل ألا تتحقق أماني إقطاعيي المال المرسمل بالوصول إلى مبتغاهم.
فإلى أولئك ممن يحلمون بإقامة إقطاعيات وفق أساليب الاستثمار الزراعي الرأسمالي (بجذوره الطفيلية) أن يعودوا إلى التاريخ. فأجدادهم ، من أهل الحل والعقد، الذين استولوا فيما مضى على الأرض لم يتنعموا بما سلبوه أبد الدهر. فبعد زوال حكم السلطان عبد الحميد الاستبدادي، تحرّك الفلاحون في غوطة دمشق والمرج مدعومين من قوى مثقفة متنورة لاسترداد أرضهم، التي سلبها (الأعيان). وتفاصيل ذلك واردة في جريدة (المقتبس) الدمشقية بتاريخ 10 آذار 1910، وفي كتاب تاريخ الفلاحين المباد. وكذلك في كتابنا: (الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين) الصادر عن دار الطليعة في بيروت لصاحبها بشير الداعوق، الذي سُرّ عندما قرأ الكتاب مخطوطاً وأثنى على دراساته الميدانية والتحليلات الواردة فيه. فقلت له: أنا فلاح لا أريد أن أغشك، الكتاب فيه كذا وكذا وربما لن يُسمح له في سورية. فأجابني بنبرة الجزم: ممنوع مسموح سأنشره مهما كلف الأمر. وعلمت فيما بعد أن المرحوم بشير الداعوق، وهو بعثي قديم ومن ميسوري بيروت، كان مستشاراً في وزارة الزراعة أثناء الإعداد لقانون الإصلاح الزراعي، وكان مكتبه في مبنى البرلمان.
***
إقطاعيو البورجوازيات الطفيلية
يسيرون على خطى أسلافهم الاقطاعيين العثمانيين
إذا كان الفلاحون لم يتمكنوا عام 1910 من استرداد أرضهم، التي سلبها الأعيان، فإنهم بعد خمسة عقود استردوها بفضل قوانين الإصلاح الزراعي الصادرة بين عامي 1958 و1964.
واليوم تسير البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية على خطى الأعيان العثمانيين السابقين في احتكار ثروات العباد وترسيخ دعائم الاستغلال والاضطهاد.
 
الحلقة القادمة غدا:
من الاستغلال الإقطاعي إلى الاستغلال الرأسمالي الطفيلي
هل من طريق للنجاة؟..
2009