مقدمة مخطوط الإستبداد السلطاني لعبد الحميد متسترا بعباءة الخلافة بين مؤيديه ومعارضيه
د. عبد الله حنا:
مقدمة المخطوط
يتناول هذا الكتاب المواضيع التالية: الاستبداد السلطاني، السلطان عبد الحميد، الخلافة، مواقف القوى المناهضة للاستبداد أو المؤيدة له.
والاستبداد السلطاني العثماني هو وريث الاستبدادين السلجوقي والمملوكي، وهو في نهاية المطاف أحد أشكال استبداد الحكام، في اصقاع الأرض كافة، منذ أن عرف التاريخ البشري الدولة في إحدى مهماتها الأساسية، وهي إخضاع المستثمَرين والمضطهدين لمشيئة أرباب الحكم. و الاستبداد السلطوي ليس شرقيا فحسب بل هو استبداد في كل مكان انقسم المجتمع فيه إلى طبقات واحتدم الصراع بينها على تقاسم الثروة وطريقة توزيعها. وهنا تتجسد إحدى وظائف الدولة (الطبقية) في تكريس سيطرة الأقلية على الأكثرية المنتجة للخيرات المادية. وهذا لا ينفي وظائف أخرى هامة للدولة ومنها، حسب تعبير ماركس " ضمان الأشغال العامة الشرط الضروري لإعادة الانتاج".
***
خصص المؤلف الباب الأول لإعطاء فكرة عن سلاطين بني عثمان وانكشاريتهم، التي كانت أحد أدوات الاستبداد السلطاني العثماني. ونقل نصوصا من مؤرخي بلاد الشام تبيّن بوضوح الطرق والوسائل التي اتبعها الحكام العثمانيون ومن قبلهم المماليك في فرض الضرائب الباهظة والإتاوات المتكررة، وابتزاز الأموال، ونهب الثروات والمحاصيل، وصرفها في الأمور الترفية الاستهلاكية غير المنتجة. ومن خلال هذه النصوص يلمس القارئ لمس اليد دور أولئك الحكام المستبدين في عرقلة إبداع القوى المنتجة وإقفال بوابات التطور والنهوض.
ولا شك أن أحد أهداف هذا الكتاب هو تتبع دور العوامل الداخلية في التخلف والركود. والتساؤل لماذا ظلّ مجتمعنا، ذو الماضي التاريخي العريق والمجيد، وذو الثقافة والحضارة الانسانيتين، ساكنا راكضا قرونا عدة بعد ان بلغت الحضارة العربية الاسلامية في القرن الرابع الهجري الأوج، ثمّ شهدت بعد القرن الثالث عشر الميلادي قرونا من السكون والركود وسادها الاستبداد السلطاني لدول الإقطاع العسكري السلجوقي والمملوكي والعثماني, التي خنقت إرهاصات التطور والتقدم.
"دَمْجُ "الخلافة في السلطنة تجلت بأجلى معانيها في عهد السلطان عبد الحميد، ساعيا من وراء ذلك استخدام الخلافة الإسلامية وما تحملهُ من رموز لفرض السيطرة السلطانية وإبقاء الدولة العثمانية في عزلة عن التطور الحضاري. ومن هنا جاء إهتمام السلطان عبد الحميد بالخلافة ووضعها في خدمة عرشه السلطاني. مستخدما طرق متعددة أشارت إليها بعض فصول الكتاب، ومنها التقرّب من المصلح الإسلامي جمال الدين الفغاني. وقدألقت أحد فصول الكتاب الأضواء على محاولات قوى الإسلام السياسي إضفاء هالة من القدسية على السلطان عبد الحميد، مع حنين جامح إلى عهد خلافته. كما خصص الكتاب بابا كاملا لوقوف السلطان عبد الحميد أمام مشروع الإستيطان الصهيوني، مشيرا إلى المبالغة في تضخيم مواقف السلطان من الاستيطان، ومتسائلا: أليس من واجب خليفة المسلمين صون فلسطين؟ فلماذا هذه الضجة اليوم لتغطية الاستبداد بالراية الفلسطينية؟..
***
احتلت الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) ومقاومة السلطان عبد الحميد لها حيّزا واسعا من الكتاب. وكان لا بدّ من التوسع في الحركة الدستورية، التي قمعها عبد الحميد بعد اعتلائه العرش، ومتابعة استعادة هذه الحركة تدريجيا لقوتها وتمكنها عام 1908 من العودة إلى المشروطية (الدستور) وخلع عبد الحميد. وهنا قدمت بعض فصول الكتاب إيضاحات حول جوهر الحركة الدستورية وهي ليست مؤامرة يهودية او ماسونية كما يدّعي انصار عبد الحميد، دون نكران دور الماسونية في الخلاص من السلطان عبد الحميد.
ومن هذا المنطلق خصص المؤلف بابان لأعلام العقلانية والتنوير في مجابهة الاستبداد، وتفتح العقول بعد تحجيم الاستبداد عام 1908. كما تتبع الصراع الدائر بين تيار المجتهدين، أو من سماهم المؤلف السلفية النهضوية، وتيار المشايخ السائرين على خطى عبد الحميد ممن عرفوا بالحشوية. والجدير بالملاحظة أن اعلام التنويرهؤلاء كانوا في غالبيتهم من العرب السنة، وكان لهم باع طويل في احتضان التيار القومي العربي في دمشق. إضافة إلى ذلك لم يغفل المؤلف دور الحاضنة الإجتماعية التي رعت هذا التيار النهضوي العربي.
استعار المؤلف تعبير "كابوس عبد الحميد"، الذي جرى على ألسن النهضويين العرب لعرض ومناقشة التيارات الداعية منذ العقد الإخير من القرن العشرين إلى استعادة عهد عبد الحميد متسترين بالراية الفلسطينية ومستحضرين الإرث العثماني للسير بالبلاد في مجاهل العصور الخوالي.