الروائي الدكتور عبد الرحمن منيف في ذاكرة نصر شمالي

كتب نصر شمالي:

تذكرت،
الروائي الكبير الدكتور عبد الرحمن منيف؟
----
الصديق العزيز عمر دهام أبو فاتح: رسالتك عن روايتي، وذكرك لعبد الرحمن منيف، جعلني أتذكر هذه الواقعة، بيني وبينه رحمه الله، وسوف أرويها هنا.. لقد جعلتني أتذكر يوم أصدرت روايتي الوحيدة "الأيام التالية" في العام ١٩٧٢، وقد كان الدكتور عبد الرحمن منيف لا يزال في جو اختصاصه (أظن النفط؟) وفي جوه السياسي المحض، وإن كان شبه مستقل سياسياً، وليس عليه بعد، أي مظهر من مظاهر الروائي الكبير، الذي سيكونه..
- وقد التقينا، صدفة، في ذلك العام، ١٩٧٢، عند بوابة الصالحية، فأمسك بذراعي، وقال أنه يريد أن يتحدث إلي، وسرنا ببطء نتحدث، مع وقفات طويلة، في شارع ٢٩ أيار، من البوابة، وحتى ساحة السبع بحرات، حيث طالت وقفتنا هناك، قبل أن نفترق..
- لا يمكن أن يخطر ببالك الحديث الذي دار بيننا، والذي كان يديره هو، بكل هدوئه، ووقاره، ودماثته، المعروفة عنه.. كان يستجوبني، بالضبط، عن روايتي الوحيدة "الأيام التالية"، التي صدرت في تلك الفترة. أنا لا أبالغ.. كان يستجوبني بمعنى الكلمة، عن كل شيء يتعلق بها.. كيف أنجزتها، منذ كانت فكرة، وحتى تحولها إلى كتاب.. كان يسألني عن أدق التفاصيل، النفسية والعملية،التي عشتها في عملي .. وكنت مستغرباً حقاً عظيم اهتمامه بذلك ، وهو عضو القيادة القومية السابق، الوقور، العملي، القليل الكلام.. الخ، وقد أجبت على جميع أسئلته، إنما، لا أكتمك، متعجباً من كل هذا الاهتمام.. حتى أنني قلت له ضاحكاً: "يا دكتور.. أنا مراقب أمنياً على مدار الساعة..أنظر.." (وأشرت إلى عناصر المراقبة الذين يتبعوني أينما ذهبت، وقد كانوا غير بعيدين عنا كثيراً).. وتابعت قائلاً : "كتابة الرواية هو العمل الوحيد المتاح لي الآن، والذي أستطيع أن أقول فيه كل ما أريد قوله، بصيغة غير سياسية، حيث الكتابة السياسية لم تعد متاحة لي، كما أنه الكلام الذي يمكن نشره في هذه الأيام، ومن جهة أخرى فإن كتابتها جعلتني أمكث طويلاً في البيت، لا أغادره، بعيداً عن ملاحقة دوريات المراقبة هذه.. تلك هي القضية، بكل بساطة، لا أكثر ولا أقل".
- حدق في وجهي ملياً، ولم يقل شيئاً، ثم صافحني بحرارة، وافترقنا.. وبعد فترة قصيرة، عدت إلى السجن مرة ثانية، من دون تهمة، ولا تحقيق، ولا محاكمة، (فقط، توقيف احترازي، "اتقاءً لشري") لأقضي في السجن سنوات طويلة .. خمس سنوات.. وفي السجن، علمت بصدور الرواية الأولى للدكتور عبد الرحمن منيف، لعلها (الأشجار وموت مرزوق؟).. بل حصلت عليها وقرأتها، وفهمت سر استجوابه لي، الذي لم أفهم دافعه في حينه، واستغربته منه هو بالذات..
- وعندما خرجت من السجن، كان عبد الرحمن منيف قد أصبح روائياً مشهوراً.. وقد جاءني مهنئاً "بالسلامة والحرية".. وسألني: "ماذا كتبت في السجن"؟.. أجبته: "الكثير من الملخصات لقراءاتي الفكرية السياسية"، فحملق في وجهي مستغرباً، وعاد يسأل: "لم تكتب أدباً؟".. أجبت: "أبداً".. وبعدها لم ألتقيه أبداً، إلى أن اشتركت في تشييعه إلى مثواه الأخير، رحمه الله.