جمانة طه تستعيد مقالاً لميخائيل عيد عن "لك أغني"

في العام 1999 صدر لي عن دار إشبيلية للنشر بدمشق كتاب صغير الحجم تحت عنوان "لكَ أغني"، يضم صوراً وجدانية تترجم جانبًا من مشاعري عن فقد أحبابي. فاستقبل استقبالًا، لم أكن أتوقعه. فكتب عنه العديد من الأدباء الكبار، ووصلتني رسائل من أشخاص يعبرون فيها عن تعاطفهم ومودتهم.
بالأمس وأنا أقلب صفحات الملف الذي أعده لي المؤرشف النبيل الصديق يوسف عبد الأحد رحمه الله، وقعت عيني على ما كتبه الصديق الراحل ميخائيل عيد في جريدة الثورة، فأحببت، وبرغم طوله، استعادته، و هو أدناه:
"هل عطر الوردة عصارة حزنها أم هو ألق ابتسامتها؟ وهل فكرنا يومًا بأحزان الوردة؟
قد يسأل أحد ما: ومتى كان الورد يحزن؟
مجموعة الصور الوجدانية التي تحمل عنوان "لك أغني" هي خلاصة الخلاصة من أحزان وردة لم أرها يوماً إلّا باسمة..فكيف أتيح لهذه السيدة الرصينة أن تخفي كل هذا الحزن الجارح وراء تلك الابتسامة اللطيفة؟
أعرف السيدة القاصة والباحثة جمانة طه منذ سنوات، ومع ذلك لم أجد جواباً شافياً. تقول جمانة:
حاولت أن أتعلم الصمت/ أن لا أحكي ألمي/ حاولت/ أن أحترق في جحيم حزني/أن أخبىء الكلمات الصعبة/ تحت رماد الوجع/عذرًا.. لم أفلح!
وتدور بي الدنيا.. أي غناء هذا؟ أيكون الغناء،خلاصة البكاء وذروته؟
وأتذكر أن جمانة كتبت قبل صفحات:
قالوا: في البدء كانت الكلمة
وأقول: الحزن كان أسبق
وأعود إلى رماد أوجاعها..يصير الرماد
شجرًا لثماره شكل نيوب الأفاعي. وأوراقه إبر تخز وسكاكين تجرح، وأي كلمات تستطيع أن تعبر: عن مشاعر أم/ فقدت ابنها.
وإذا كان الزهر أجمل ما في العالم، فهي ترى: أجمل الأزهار/ لا تعادل ابتسامة عينيك. لكن الإبتسامة تلاشت، والحبيب:
اجتازَ المسافة/ بين البيت والقبر/ سريعًا/خفيفًا/ بين عويل قلبي/ وأنين حزنه.
فتعيش مع الحزن:
صامتًا يأتي موته/ يقتحم القلب/ ينزلني عن صهوة الحياة/يهشم صبري/دمعًا/ مخنوقًا في الحلق.
ويتراكم الحزن فوق الحزن، ويكبران.. يغذي أحدهما الآخر ويهيجه.. وتنهض ذكرى الزوج والابن معاً:
ليلة انتقال أحبابي إلى البيت السماوي/ إلى الحوريات النورانية/جف نبع أنوثتي/ اقتحم الثكل فؤادي/تناثرت أيامي في نار الصدمة.
ويصير الحزن فضاء وهواء وتكبر الأسئلة:
عاماً بعد عام/ أشعل شمعة ميلادك/ وأنت تكبر بعيدًا عن عيني.ترى أي حورية اصطفتك؟/ وأي ملاك انحنى أمام ضيائك؟/ترى من يهدهد نومك/ومن يلمّ ندى ضحكاتك؟
أقرأ وأشعر أن الجفاف يشلّ حلقي:
يا عرق الآس/ أيها الأخضر/ النابت فوق قبور أحبتي/بلغهم مني السلام..
أطوي بضع صفحات خوفًا من أن أختنق، وأقرأ:
ما من مرة جاء الربيع/ إلّا تحولت الحقول/ عيوناً../ ترى من أين تجيء/كل هذه الدموع؟
ويخيل لي.. أن الدنيا أصغر من دمعة أم. فأحلم باستراحة ولو قصيرة، وأصل إليها وعنوانها حفيدتي:
لطالما شجاني مطربون/ وأفرحني منشدون/ لكني لم أسمع/ أشجى صوتاً/ وأطرب لحناً/ من صوت حفيدتي تغني/ واع.. واع.. واع..
من فضة جبينها/ أتعلم أبجدية البهاء/من رقتها/ أتعلم/كيف أزرر قمصان صلفي/ وأقبع جارية على باب الطفولة...
عينان؟
بل نجمتان
خدان؟
بل وردتان
شعر؟
بل شلال مخمل
وبوح عطر
أأصف؟
أنفها، أذنيها، كفيها، قدميها؟
ما أحاط بوصفها
شعر قديم ولا حديث
فأنا ما عرفت قبل اليوم
نساء يلدن أقماراً
تبارك خلق الله
لكن البرد يدخل إلى القلب من نوافذ الشتاء الكوني المشرعة:
وأنت بعيد/ كل شموس الكون/ لاتدفئني.
ونسمع ما يشبه التصوف:
أحببت نفسي/لأنها تحبك/ وعشقت الليل/يحملك إليّ. وتستطرد قائلة:
أيكفيك القول/ إني بك كلّ/ وبدونك/ لا شيء.
ثم ترسل للقارىء برقيات، هي ثمرة تأمل عميق: لم أعد حزينة/ أدركت تفاهة الأيام.
ومع ذلك نشعر أنها رسبت إلى قعر الحزن، وقعر الحزن.. هو القنوط.
أعلل النفس بالأماني/فلا قنديل يضيء/ ولا موعد يأتي/ وأنا بين جرحي وجرحي/ أمسك بتلابيب الزمن/ يمضي بي العمر/ يشتعل الثلج في الرأس/ ولا ينفك الحصار
كل الذين يعرفون جمانة، يعرفون كيف تخفف أحزان الآخرين بلطفها، فمن يستطيع أن يصنع منديلاً من كلمات عذبة يقدمه لها فتمسح به دموعها؟
لكن.. هل تستطيع أعذب الكلمات أن تمسح الحزن؟!