تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 48- عن الماغوط و زكريا تامر
الجزء الثاني - في "تشرين".
في بعض الأحيان كان الماغوط يحضر الى مبنى الجريدة في منطقة الحلبوني حيث كنا نكلف السائق بايصاله إلى المبنى الجديد وغير المكتمل في منطقة الميدان ليكتب زاويته هناك.
كالعادة حضر الثنائي الماغوط وزكريا الى مكتبي في منطقة الحلبوني. يومها كان السائق في إجازة. وكانت السيارة وهي من طراز غولف الصفراء التي استوردتها الحكومة في تلك الفترة مركونة أمام مبنى الجريدة. وبما أن السائق لم يكن موجودا فقد رحت ابحث عن طريقة مناسبة لايصالهما إلى مبنى الميدان.
فجاة لمعت بذهني فكرة جهنمية.. لماذا لا أقوم بإيصالهما بنفسي؟!
حتى ذلك اليوم لم أكن قد جلست وراء مقود. ولم أكن قد حصلت على "شهادة سواقة". كل ما كنت أعرفه عن قيادة السيارة كان متاتيا من خلال مراقبتي للسائق إسماعيل. الذي كان يتولى عملية شحني من البيت إلى الجريدة وبالعكس. ومن خلال بعض الشروحات النظرية التي افادني بها ردا على أسئلتي الفضولية..
عرضت الفكرة على الثنائي. فسالني الماغوط:
- هل تجيد قيادة السيارة..؟
اجبته بكل ثقة..
- نعم..
جلست وراء المقود لأول مرة في حياتي. جلس الماغوط إلى جانبي وزكريا في المقعد الخلفي.. وكما تعلمت نظريا. شغلت المحرك. ضغطت على "الدبرياج" بقدمي اليسرى ومدوسة البنزين باليمنى وبدأت أخفف الضغط تدريجيا على "الدبرياج" واضغط بقوة أكثر على مدوسة البنزين. فجأة اهتزت السيارة وانطفا المحرك. أعدت العملية مرة ثانية فوصلت إلى ذات النتيجة.
بدأت بالتعرق. وبدأ الاثنان يرميانني بنظرات محملة بشحنات عالية من الشك والارتياب. .سألني زكريا بلهجته الدمشقية المعتقة:
- هل أنت متأكد من انك قدت سيارة قبل هذه المرة؟!
أجبته:
- أكيد. فالخلل ليس مني. اكيد يوجد خلل ما في السيارة!؟
تظاهر الاثنان بالاقتناع بحجتي عن طريق إطلاقها همهمة غير مفهومة
أعدت المحاولة. ولكن هذه المرة ضغطت بكل قوتي على مدوسة البنزين. فاقلعت السيارة بتثاقل شديد . كنت أحس وكان شيئا ما يشدها إلى الخلف. الامر الذي جعلني أزيد من الضغط على مدوسة البنزين وجعل "جعيرها"- يعلو على اصوات كافة السيارات الكبيرة والصغيرة التي كانت تسير إلى جانبنا فقلت للشباب.
- يبدو أن الحكومة لم تكتف بسرقة أموال الناس الذين اكتتبوا على شراء هذه السيارة. بل أنها استوردت لهم سيارات رديئة وضعيفة ولا تقوى على السير..
نظر الاثنان لي ولم ينطقا بكلمة واحدة. كان الخوف قد بدأ يفعل فعله بهما. ولكنهما أثرا الصمت الرهيب.
وصلت إلى أول إشارة ضوئية. توقفت عندها. وعندما تبين لي الضوء الأخضر من الأحمر مرورا بالاصفر. حاولت الاقلاع فاهتزت السيارة بعنف وانطفا المحرك من جديد.. عاودت المحاولة ففشلت في محاولتين متتاليتين. بدأ السائقون يطلقون "الزمامير" احتجاجا على عرقلتي مرور السيارت المتوقفة على الإشارة الضوئية. أعدت المحاولة فاقلعت السيارة من جديد ولكن شيئا لم يتغير. بقي التثاقل و"الجعير" والرجفان هو المسيطر على على وضع السيارة الخارجي. أما الأجواء داخل السيارة فكانت تشبه إلى حد كبير تلك ألاجواء التي تطغى على طائرة تتعرض لمطبات هوائية شديدة.. صمت وترقب وخوف مسكوت عنه ولعنات مكتومة انصبت علي وعلى كل من "يشد على ايدي"!؟
أخيرا وصلنا إلى الجريدة. وبمجرد أن توقفت السيارة نزل منها الكاتبان وتبادلا التهاني بسلامة الوصول. وأطل زكريا من الشباك وسألني:
- أصدقني القول. هل قدت سيارة قبل اليوم. أم أنها المرة الأولى..؟!
قلت له:
- بل هي المرة الأولى. وضحكت
لحظتها مددت يدي. لاشد مكبح "فرامل" اليد.. فوجدت الفرامل مشدودا إلى أقصى مدى متاح..
يا للهول.. كنت طوال الطريق إعارك السيارة دون أن أفطن إلى اني لم ارخ مكبح اليد قبل الانطلاق..
انتبه زكريا لما حدث بينما كان يمد رأسه إلى داخل السيارة. وقال لي معزيا..
- بتصير في أحسن العائلات. المهم أننا نفدنا بريشنا.. وبريشك كمان!؟
دخلنا إلى مبنى الجريدة وبدأ الماغوط بكتابة زاويته. بينما تلهينا - زكريا وانا - بالحديث أو بزيارة بعض الزملاء في مكاتبهم.
كان لكل من زكريا والماغوط طقوسهما الخاصة قبل المباشرة بكتابة زاويتهما. كان زكريا - على ما لاحظت - يفضل أن يجلس خلف الطاولة في الغرفة.. وعندما يجد الفكرة يباشر بكتابتها وغالبا لا يتزحزح من موقعه قبل أن ينهيها. وغالبا لم تكن تأخذ منه وقتا طويلا.
أما الماغوط فكان يبذل جهدا حتى يجد الفكرة ويرسم خطوطها. ويبذل جهدا أكبر حين يبدأ الكتابة. كان يكتب عدة جمل أو عدة أسطر ثم يقف ويتجول في المكان ويعود اما لمتابعة ما كتبه أو لشطبه والبدء من جديد..
كانت كتابة الزاوية تستغرق منه وقتا طويلا قد يمتد إلى أكثر من خمس ساعات. وحتى بعد أن ينهيها كان يدفعها إلى المطبعة لتصف احرفها ويبقى هو في الجريدة ليشرف على تصحيحها من الأخطاء الطباعية. والأكثر من ذلك كان يتابع التفكير فيما كتب. وفي كثير من الأحيان كان ينزل إلى المطبعة ليغير كلمة أو جملة قبل أن تدور عجلات المطبعة..
في تلك الليلة كان الماغوط يكتب زاويته في مكتبي. وكنت وزكريا ننتظره خارج المكتب. انتصف الليل تقريبا ولم ينته.. نظر زكريا إلى ساعته واتجه إلى الغرفة التي يكتب بها الماغوط زاويته وسأله:
- مطول محمد؟
ترك الماغوط الكتابة وخرج إلينا. والتفت إلى زكريا وقال:
- شوف زكريا.. انت بتنتهي مشكلتك وقت اللي بتلاقي الفكرة اللي بدك تكتبها. بينما انا بتبدأ مشكلتي وقت اللي بلاقيها..!
والتفت الي وقال:

- شو رأيك تميم!؟
لم أجبه لحظتها.. ولكن وفي وقت لاحق وبعد أن دققت بأسلوب الكاتبين الكبيرين وجدت أن الماغوط كان على حق..
كان زكريا في كتاباته يركز على وهج الفكرة ويسخر اللغة لخدمتها. كانت الفكرة عنده هي الأساس وهي السر الأول في ابداعه ولذلك لم يكن بحاجة لان يبذل جهدا كبيرا في البحث في اللغة عن المفردات والتعابير التي تخدم فكرته..
بينما كان الماغوط يعتمد في زواياه على الفكرة المبتكرة وعلى اللغة المناسبة لها وعلى المفردات والكلمات التي تنسجم معها. كانت الكلمة عنده تعادل الفكرة وأحيانا تزيدها أهمية. ولذلك كان عليه الغوص في دلالاتها ومترادفاتها ليصل إلى الصيغة التي تشكل مع الفكرة نسيجا متكاملا غير قابل للانفصال.. ولذلك كان زكريا ينجز زواياه بسهولة أكثر من الماغوط. الذي كان لا يمل من التغيير والتبديل في مفرداته. طالما أن اللغة لا تبخل عليه بالخيارات. بل إنها - أي خيارات اللغة - كانت تساهم في زيادة معاناته لكثرة ما توفر له من خيارات..
اكمل الماغوط الزاوية.. ودفع بها للمطبعة. وعند مغادرتنا احتجت إلى وقت يعادل الوقت الذي احتاجه لكتابة زاويته. من أجل إقناعهما بركوب السيارة معي مرة أخرى لاوصلهما كل إلى بيته.. ونجحت في ذلك بعد أن سلما أمرها لله ولي من بعده!؟
"يتبع"