تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 49- عن (الماغوط)
الجزء الثاني - في "تشرين"
بعد عودة محمد الماغوط للكتابة في تشرين تهيأت لنا عدة فرص للتحدث في أمور شتى.
لم يكن الماغوط كما زكريا تامر بارعاً في علم الكلام وفي اجتذاب السامعين كبراعته في الكتابة واجتذاب القراء.
كان ميالا للصمت والتأمل أكثر من ميله للكلام والمناقشات وحتى إلقاء المحاضرات وإجراء المقابلات الصحفية.
كنا نتحدث أحيانا هو و أنا في الدقائق التي تسبق استغراقه في كتابة زاويته أو بعد الانتهاء منها.
كان يستفيض في الحديث عندما يتعلق الموضوع بإقامته في بيروت. فقد كان يتحدث عن المدينة بكثير من الحب والحنان. ويعتبرها مدينة لكل الكتاب والمبدعين العرب. وخاصة أولئك المنفيين من بلدانهم أو الهاربين منها.
قال: كان لبيروت فضل على الكتاب العرب وعلينا نحن الكتاب السوريين الهاربين من القيود والضغوط والسجون. كانت بيروت ملاذا لأبناء جيلنا من المثقفين والصحفيين العرب، فلولاها ولولا صحافتها ومؤسساتها الاعلامية والثقافية وأجواء الحرية التي وفرتها لنا لما وصلنا إلى ما نحن عليه من مكانة وسمعة وشهرة. و لما تعرّف علينا سوى مجموعة يائسة من رواد المقاهي الشعبية المنتشرة في أحياء المدن العربية المقهورة.
وأردف: نحن كنا محظوظين على ما يبدو فقد وجدنا مدينة تأوينا ولو إلى حين. ولكن "العترة"على جيلكم. فمن سيأويكم. وإلى أين سترحلون. جماعتنا وصلوا إلى لبنان ولم يعد هناك فرق كبير بين بيروت وأي مدينة عربية أو سورية. انتهى دور بيروت. ولم تعد صالحة لتكون باريس الشرق.. فإلى أين ستفرون!؟
كانت هذه آخر محادثة جرت بيني وبينه قبل أن يتوقف عن الكتابة في تشرين من جديد وقبل أن أغادر الجريدة لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية..
بعد عدة سنوات التقينا من جديد عندما دعاني ودريد لحام لحضور افتتاح مسرحية كاسك ياوطن. كان لقاء سريعا جرى قبل ان ترفع الستارة بقليل واقتصر على بعض المجاملات والاسئلة السريعة عن الصحة والأحوال.
كان الماغوط في هذه الفترة قد غطس مع دريد لحام في أعماله المسرحية والسينمائية. بينما استغرقت انا في عملي الصحفي ولم نلتق مجددا إلا بعد عدة سنوات اخر.
يومها دعينا نحن الاثنين إلى حفل صغير. كان عدد المدعوين إليه لايتجاوز الخمسين شخصا..
ذهبنا سويا إلى الحفل. في الطريق هنأني على اشهاري زواية "قوس قزح" التي كنت قد أنشأتها قبل ذلك بسنوات في الصفحة الأخيرة وفي الجهة المقابلة للزواية التي كان يكتبها مع زكريا تامر. و أشاد بقدرتنا - الزملاء و أنا- على الاستمرار فيها على الرغم من الصعوبات. وقال لي:
- أحس أن مجازر ترتكب بحق بعض الزوايا. من خلال عمليات الحذف التي تطالها. ولكن لا بأس. المهم أن تبقى روح السخرية باقية في الصحافة السورية. وأستطيع أن أعتبرك بطلا لإقدامك على إنشاء هذه الزاوية من بعد زاوية "عزف منفرد".
وصلنا إلى الحفل كان من بين المدعوين مجموعة من السيدات والفتيات الجميلات. بادرنا - الماغوط و أنا - بتحيتهن ومجاملتهن ولم يطل الوقت حتى زالت الرسميات. بقينا - الماغوط و أنا- متلازمين ولم يفترق أحدنا عن الآخر. ولذلك بقيت أحاديثنا مع الحضور والجنس اللطيف خاصة مشتركة.. و مع مرور الوقت وجدنا أنفسنا نغرق في لعبة تنافسية عفوية فرضها علينا وجود هذه الكوكبة من النساء الجميلات. وكذلك النفس الامارة بحب النساء وحب الظهور..!
كانت المنافسة عادلة بكل المقاييس.. فالماغوط كان الأكثر شهرة والأكثر وسامة. وكنت الاكثر "شبوبية" والأكثر جرأة.. و لذلك انتهت اللعبة وانتهى الحفل بالتعادل السلبي..
في طريق العودة قال لي الماغوط:
- بتعرف.. لازم ما نحضر نحن الاثنين سوية في حفل!؟
سألته:
- لماذا؟
أجابني:
- لأن الجميع يخرجون رابحين. ونحن الاثنين نخرج خاسرين!؟
وافقته الرأي وقلت له:
- تصديقا لكلامك. أتعرف بماذا أشعر الآن؟
قال:
- بشو؟
قلت:
- أشعر اني كنت وإياك طيلة الحفل ك "وعلين" يتناطحان من أجل الظفر بأنثى. بينما كانت حسناء ما من الحضور تنظر إلينا من بعيد وهي ترسم على وجهها ابتسامة الظفر وتقول لنفسها أو لرفيقتها:
"المجد للنساء في العلا وعلى الرجال السلام.."!؟
ضحك أبو شام بصوت مرتفع. وقال:
- لابأس من بعض الولدنة بين حين واخر و إلا قتلتنا الكآبة والقهر الذي يحيط بنا من كل حدب وصوب.
كان هذا اللقاء هو آخر لقاءاتي مع الماغوط. بعدها سافرت إلى البرازيل. و انقطعت أخباره عني.
قبل وفاته بحوالي السنة وصلت إلى دمشق في أحد الصباحات. وفي المساء شاهدت مقابلة تلفزيونية أجراها التلفزيون السوري معه وهو على فراش المرض..
قرب نهاية المقابلة دمعت عيناي.. لم يكن الماغوط هو أبو شام الذي أعرفه لا من حيث الشكل ولا من حيث القول..!؟
بعد حوالي العام توفي أبو شام محمد الماغوط بعد أن طعنه سياف المرض في مقتل. ليترك وراءه أحزانا في ضوء القمر.. والشمس أيضا!؟
"يتبع"