تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 50 (نزيه أبو عفش)

الجزء الثاني - في "تشرين"
لم يكن زكريا تامر ومحمد الماغوط الكاتبين الوحيدين اللذين تعرفت اليهما منذ بداية عملي في الجريدة. ولكنهما كانا الأكثر ترددا على مكاتب الجريدة والاكثر اثارة لاهتمامي واعجابي. فالزاوية الساخرة التي كتبتها يوم المسابقة التي تم قبولي محررا في الجريدة بفضلها. كانت قريبة من حيث الاسلوب والروح من الزوايا التي كتبها زكريا والماغوط في "عزف منفرد". الامر الذي جعلني ميالا لمجالستهما والتعرف إليهما عن قرب.
في ذات الوقت ومنذ اليوم الأول لصدور الجريدة بحلتها النهائية في 17 نيسان عام 1975 بدأت اتعرف أيضا على كوكبة من الكتاب والادباء والصحفيين المخضرمين الذين كان لهم حضورهم ومساهماتهم في الحياة الادبية والثقافية في خمسينيات وحتى أربعينيات القرن الماضي.
كان عادل أبو شنب وبالتشاور مع رئيس التحرير قد استكتبوا عددا من هؤلاء ليساهموا في كتابة زاوية أسماها "شيء ما". وفي كتابة مقالات نقدية وتراثية في الصفحات الثقافية كل حسب اختصاصه.
كان هؤلاء الكتاب ينتمون إلى مختلف المحافظات السورية. وبعضهم كانوا دمشقيين أو مقيمين في دمشق أو برزوا من خلال مساهماتهم في الصحف الدمشقية.
في اوائل الستينات سيطر البعثيون على مقاليد الأمور في سورية. وفورا ارتدى قادتهم الخاكي وبذات "السفاري". إيذانا بتبنيهم الفكر اليساري الاشتراكي.. وراحوا يصنفون الناس بين موالي وصديق ومعادي. وبين برجوازي عفن. وبروليتاري مناضل. ويخضعون الصحافة لرقابة خانقة.
وكما ارتدى القادة البعثيون الخاكي وبذات السفاري سارع كتابهم وأدباؤهم ومثقفوهم لارتداء ذات اللباس وانهمكوا فورا في تصنيف الأدباء والفنانين والمثقفين إلى مثقف ثوري تقدمي ومثقف رجعي مرتد وآخر ارستقراطي عميل ورابع ساقط على درب النضال.
كان يكفي الكاتب المجدد وليد اخلاصي أن يدخن "الغليون" مثلا ليصنف في لائحة البورجوازيين. ويكفي الشاعر المبدع نزار قباني أن يكون دمشقيا وغير بعثي ويكتب عن المرأة والحب ليصنف في خانة البورجوازيين اللاوطنين واللاملتزمين. واللاجادين وحتى اللاشعراء. لان الشرط الاول للاعتراف بك أديبا أو شاعرا أو مثقفا كان أن ترتدي الخاكي والسفاري..
كان عبد الناصر والجيل الأول من القادة البعثيين قد امموا كل شيئ في سورية حتى تلك المعامل والمشاغل الصغيرة التي لا يزيد عدد عمالها عن عشرين عاملا. ولكن ذلك لم يمنع البعثي إبراهيم خلاص من كتابة مقال في مجلة الجندي (على ما اذكر) قال فيها.. "إن الله والمتخمين والاقطاع ما هم إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ.." في وقت لم يعد فيه أقطاع ولا متخمون.. كانت رسالة موجهة للخصوم السياسيين.
قوبل قول إبراهيم خلاص هذا باحتجاج رجال الدين. لأنه وضع الله في المتحف. ولكن أحدا لم يحتج لكون بعثيين السفاري دفعوا الكثيرين من الكتاب والمثقفين إلى الهرولة ليلوذوا في ذات المتحف كخيار أفضل من السجن. أو لكون بعضهم زج به في السجن فعلا.
كان من جملة الكتاب الذين دعاهم كل من عادل أبو شنب ورئيس التحرير البعثي المخضرم والمثقف الحر جلال فاروق الشريف للكتابة في الجريدة سعيد الجزائري وعبد الغني العطري ونجيب كيالي وكوليت خوري وقمر كيلاني. و عبد المعين الملوحي وسعد صائب ووليد اخلاصي وياسين رفاعية وغيرهم كثر.
ومع أن القائمة تبدو متنوعة ومع أن رئيس تحرير جريدة تشرين من المؤسسين للحزب ومن كون البعثيين اشهروا تخليهم عن زي السفاري منذ بداية السبعينيات. إلا أن ذلك لم يمنع بعض الكتاب المنادين باليسار وبعض البعثيين العلنيين وغيرهم من البعثيين المستترين الذين كمنوا لغاية في نفس يعقوب من لوم إدارة الجريدة على الاستعانة بكتاب اعتبروهم من الذين " أكل الدهر عليم وشرب"!؟
في زاوية "ايام" المخصصة لرئيس القسم الثقافي كتبت مرة عن المزاودات السياسية والعقائدية التي ينتهجها بعض الكتاب. وطرحت في ختام الزاوية سؤالا افتراضيا على الشكل التالي:
- لو ظهرت في سورية جريدة او مجلة مستقلة. ودعت ادارتها المثقفين للكتابة فيها دون أن يتقاضوا اجرا. مقابل أن يمارسوا حريتهم كاملة في التعبير عن آرائهم والترويج لمعتقداتهم. فكم مثقفا سيبادر للكتابة فيها..؟
طبعا. لم أجب انا على سؤالي الإنكاري هذا ولكن الزميل الشاعر نزيه أبو عفش أجاب على سؤالي من خلال زاوية كتبها في جريدة البعث وطعمها ببعض الهجومية المخففة على شخصي..
طبعا لم اتاخر في الرد على إجابته وعلى الأفكار التي طرحها دون أن أتعرض له شخصيا.
المهم في القصة .إنني وبعد حوالي شهرين من هذه الواقعة التقيت بالزميل إبراهيم ياخور رئيس قسم التحقيقات في جريدتنا تشرين قرب فندق الشام. فطلب مني أن ارافقه لجريدة البعث حيث كان مقرها في تلك المنطقة على أن نتوجه بعدها إلى جريدتنا.
رافقت إبراهيم لجريدة البعث. .في أحد الممرات التقينا مع أحد الأشخاص. انفرجت أسارير الرجل عندما شاهد إبراهيم وعانقه بحرارة.. ثم فطن إبراهيم إلى أننا لا نعرف بعضنا.. فأشار إليه وقال لي. هذا زميلنا نزيه أبو عفش وأشار إليه وقال وهذا زميلنا تميم دعبول. في تلك اللحظة بالضبط فطن إبراهيم إلى أننا اختلفنا وتجادلنا قبل شهرين فاستدرك مازحا:
- صحيح . تذكرت الآن أن بينكما ثارا.
فورا بادر نزيه بالاقتراب مني وعانقني قائلا:
- بيكون صحيح. هذا انت . والله اعتقدت انك من أولئك العواجيز الشوام الذين اخرجوهم من تحت التراب ونفضوا عنهم الغبار ليكتبوا في جريدة تشرين. فلا تؤاخذني.. و أردف:
- لقد كنت محقا في طرحك للسؤال وفي جوابك على زاويتي.
- تكررت القصة بتفاصيل أخرى مع زميل آخر من جريدة الثورة. وانتهت باعتذار قدمه لي لأنه ظن وظن وخابت ظنونه.
لفتت هاتان الواقعتان نظري إلى ضرورة تكريس تقاليد جديدة في مهنة الصحافة. تقاليد تقوم على احترام الكتاب والصحفيين لذواتهم. وعلى السعي إلى توسيع هامش حرية التعبير قدر الإمكان. والتخلي عن المواقف المسبقة والتقييمات السياسية المهنيين. وعدم الرضوخ للابتزاز وخاصة من أولئك الذي يرفعون رايات المعارضة نهارا. ويمضون ليلهم في مكاتب ضباط الأمن يمدونهم بالتقارير ويسلون وحدتهم. كذلك الى عدم الاستجابة للضغوط. فاما أن يكون الصحفي جديرا بهذا الاسم أو ليشتغل في مهنة أخرى..
كانت الخبرة التي اكتسبتها من خلال عملي في الجريدة قرابة الثلاث سنوات حاسمة في تشكيل قناعتي بضرورة السعي لتكريس تقاليد صحفية حقيقة عززت تفاؤلي بامكانية تحقيقها حماسة الشباب التي طالما تحليت وزملائي بها وعمنا في اجواء صحية خلال هذه الفترة مع زملاء وزميلات وصحفيين مهمين ومهنيين في كافة الأقسام.. ولكن كل ذلك سيتاجل إلى ما بعد خدمتي الإلزامية التي دعيت لتاديتها من جديد!؟
 
"يتبع"