خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (3)
بعد عزل الخليفة مصطفى الرابع تم تتويج أخيه السلطان محمود الثاني (1775 - 1839) خليفة للمسلمين عام 1808، الذي ورث تركة دولة مثقلة بالديون والفوضى تعم عاصمتها وجميع الولايات وخاصة الولايات العثمانية الأوربية ، فقرر متابعة الاصلاح التي بدأها السلطان سليم الثالث، وخاصة اصلاح الجيش وتحديثه، وكان قدوته في ذلك مافعله والي مصر محمد علي باشا في قضائه أولا على المماليك بمذبحة القلعة الشهيره، فبدأ يدرس كيفية القضاء على قادة التشكيلات العسكرية الانكشارية، وقد لاقى منهم مقاومة شديدة حتى كادوا أن يعزلوه ويعيدوا الى الحكم السلطان مصطفى الرابع، ولكنه بذكائه استطاع أن يحتوي الوضع ويتراجع عن قراراته المتعلقة بهم، وبنفس الوقت كان يقوم باستقدام مهندسين أوربيين لبناء السفن الحربية على أحدث الوسائل المعروفة في القرن التاسع عشر وتحديث القوى البحرية، حيث بدأ بادخال المحركات البخارية ثم بنى أكبر سفينة حربية في العالم كان تضم مدافع عيارها ثقيل موزعة على طبقات ثلاث وعددها 128 مدفعا وأُطلق عليها اسم "المحمودية"، وبقيت لسنوات عدة أكبر سفينة حربية في العالم وقتذاك وقد خاضت تلك السفينة معارك بحرية كثيرة.. و أيضا اعتنى السلطان محمود الثاني بتطوير التعليم فبنى المدارس وخاصة الابتدائية منها، وشجع على المدارس التي تعني بالترجمة عن اللغات الأوربية، ثم قام باصلاح أجهزة الدولة وتحديثها على النمط الأوربي، وألحق شؤون الأوقاف به وبمكاتب قصره، وأيضا أصلح الطرق القديمة وشق طرقا جديدة، وأدخل البرق الى الدولة العثمانية وبدأ بمد السكك الحديدية، ثم أمر باصدار جريدة رسمية... ثم أمر باستحداث ألبسة شبيهة بالالبسة الأوربية وقام باستبدال العمامة بالطربوش الذي كانوا يرتدونه سكان الأفلاق والغدان (رومانيا)، وأجبر الموظفين المدنيين وأفراد الجيش وضباطه على ارتداء اللباس الجديد، وطبعا كل شيء جديد مستحدث يلاقي رفض شديد، ولقد عانى السلطان محمود الثاني من اصلاحاته وتحديثاته كثيرا من المعارضة لا مجال لضرب الأمثلة على تلك المعاناة في تلك العجالة...
في عهد السلطان محمود الثاني توسعت الدولة السعودية الأولى بقيادة عبد بن سعود الوهابي، فأمر والي مصر محمد علي باشا بالتوجه الى الجزيرة العربية بجيشه والقضاء على الدولة السعودية الأولى التي توسعت واحتلت الحجاز ومدنه المقدسة، فنفذ محمد علي الأمر وأرسل جيشه واسترد الحجاز عام 1811، ثم قضى على الدولة السعودية الأولى عام 1818 بقيادة ابراهيم بن محمد علي باشا وأسر عبد الله بن سعود وأمر بسوقه الى القسطنطينية، وهناك تم قتله بعد أن أمر السلطان بالطواف به في شوارع العاصمة، ونتيجة للقضاء على السعوديين أصدر شيخ الاسلام وزملائه المشايخ الاّخرين في العاصمة العثمانية منح لقب "غازي" على السلطان محمود الثاني فأصبح لديه ثلاثة ألقاب "خليفة - سلطان - غازي")..
وفي عهده ثار اليونانيون على الدولة العثمانية ونجحوا في السيطرة على العاصمة أثينا، فأرسل السلطان الى والي مصر يطلب المعونة، فاستجاب محمد علي باشا للطلب وأرسل اسطوله حاملة سفنه على متنها 17000 جندي مدربين أفضل تدريب ، فقضوا على الثائرين اليونان ودخلوا أثينا منتصرين، وعلى الأثر قام حلف من الانكليز والفرنسيين والروس، وهاجموا الأسطولين العثماني والمصري في معركة "نافارين" ودمروهما على غفلة منهما وبدون توقع.. وانسحب ما تبقى من الجيش المصري الى مصر وفرضت الدول الأوربية استقلال اليونان.. بعد ذلك قام السلطان محمود الثاني بالقضاء نهائيا على قادة الوحدات العسكرية الانكشارية عام 1826.. وتتابعت الأحداث الدولية من قبل الدول الاستعمارية فقامت فرنسا باحتلال الجزائر عام 1830، واستغل محمد علي باشا ضعف الدولة العثمانية فقام بغزو بلاد الشام عام 1831 بقيادة ابنه ابراهيم باشا ووصل الى قونية، ولكن روسيا القيصرية سارعت بابرام اتفاقية عسكرية مع العثمانيين هدفها الدفاع عن القسطنطينية في حال تقدم الجيش المصري نحوها، فأمر محمد علي ابنه ابراهيم باشا بالتوقف، وبقي الأمر كذلك حتى عام 1839، حيث نشبت الحرب من جديد بين العثمانيين وجيش محمد علي باشا في معركة "نصيبين" عام 1839، وكان النصر فيها للجيش المصري أيضا، وفي هذه الأثناء اشتد المرض بالسلطان لشدة حزنه على الخسارات المتتابعة في البلقان وأيضا الجزائر وأخيرا بلاد الشام وأصيب بمرض السل الذي قضى عليه يوم 2 تموز عام 1839...
وللبحث صلة..