السلطان عبد الحميد يستولي على الأراضي الزراعية ويتحول إلى أكبر إقطاعي في السلطنة

كتب الدكتور عبد الله حنا:
 
قام السلطان عبد الحميد بعد إعتلائه العرش باستخدام سلطته الشاهانية بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية. فقد سجّل السلطان معظم الأراضي الخالية في بلاد الشام والعراق باسمه، ونقل لإسمه الأراضي التي وضعت الحكومة يدها عليها عند وفاة أصحابها بلا وريث، أو عند استيلاء الحكومة على الأرض لقاء الديون التي عجز الفلاح عن تسديدها نتيجة لكثرة الضرائب
وهكذا تملّك عبد الحميد في سورية الداخلية وحدها حوالي ملايين الدونمات من الأراضي الخصبة, التي شملت 1114 قرية. هذه الأرض المستولى عليها باسم السلطان ولصالح خزينته الشخصية سُميت:
بـ"الجفتلك" أي الأرض السلطانية الخاصة.
وكي يجذب عبد الحميد الفلاحين للعمل في أرضه (أرض الجفتلك) قام بعدة إجراءات وهي:
أولا أعفى الفلاحين العاملين في ارضه, ارض الجفتلك من الخدمة العسكرية.. ثانيا حمى القرى السلطانية من تعدي البدو الرُحّل بواسطة جند سيّار خاص من راكبي البغال المسلحين ببنادق حديثة بإمكانها التغلب على أسلحة البدو العتيقة، وملاحقتهم إلى أقصى البراري.. وثالثا أعفى الأرض السلطانية (الجفتلك) من الضرائب الحكومية ومن تَسَلّط الدرك, وأوجد جباة تابعين لإدارة خاصة بأملاكه مركزها حلب. وبفضل هذه الإجراءات الأمنية أولا والمالية ثانيا عمُرَت القرى النائية في أقضية الباب ومنبج وجبل الأحص ومطخ وقنسرين وغيرها من القرى الواقعة شرقي حمص وحماة. وفي الوقت نفسه درّت أراضي الجفتلك, على خزينة السلطان الخاصة, الأموال الوفيرة المجموعة من جهد الفلاحين وعرق جبينهم.
وبعد زوال عبد الحميد تحوّلت أملاكه عام 1909 إلى ما سُميَ بالأراضي المدورة, وأمست ملكا للحكومة العثمانية.
سبق الهجمة السلطانية الحميدية على الأراضي الزراعية وتسجيلها في سجلات الطابو باسم عبد الحميد، هجمة اخرى أكثر ضراوة قامت بها القوى المتنفذة من "أرباب الوجاهة" وكبار الموظفين وكبار رجال الدين والتجار بتسجيل الأرض الزراعية بأسماء هؤلاء، الذين تحوّلوا إلى ملاك كبار للارض واستثمروا الفلاحين استثمارا اقطاعيا شنيعا.
وفي خضمّ الصراع للاستيلاء على الأراضي الزراعية وامتلاكها بموجب قانون الأراضي العثماني الصادر عام 1858، استَعَرَ أوار الصراع لتملك الأراضي الزراعية واشتد أيام عبد الحميد وما بعده، بين القوى الرئيسية التالية:
⦁ بين السلطة المركزية في استنبول من جهة وممثليها من العسكريين والولاة وكبار الموظفين من جهة ثانية.
⦁ بين كبار العائلات الاقطاعية وجهاز الدولة.
⦁ بين المالكين الإقطاعيين الصغار والمتوسطين من جهة وجميع القوى المتنفذة الأخرى.
⦁ بين الفلاحين الفقراء والمتوسطين من جهة، والقوى الإقطاعية والسلطة المركزية من جهة أخرى
هذه عيّنة من الحياة, التي سادها نظام الإقطاع بشكله الجديد (بعد صدور قانون الأراضي العثماني عام 1858) المتلائم مع تطورات السوق الرأسمالية العالمية، والمنسجم مع التفكير الطبقي لِأولي الأمور في الدولة العلِيّة. و أولو الأمور هؤلاء، وفي مقدمتهم السلطان عبد الحميد، ابتزوا المستضعفين من رعايا الدولة، وأرهقوهم بالضرائب والإتاوات، وسلطوا السيف على رقابهم دون حسيب أو رقيب.
جرى ذلك في ظلّ دولة "علية" تعمل في خدمة طبقة الأعيان من الإقطاعيين.. دولة عثمانية إقطاعية تحوّلت في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أيام السلطان عبد الحميد، إلى دولة نصف مستعمَرة خاضعة لنفوذ الرأسمال الأجنبي (الفرنسي والإنكليزي والألماني). وعاشت شعوب هذه الدولة العثمانية تحت نيرين:
-الاستثمار الإقطاعي الداخلي، المتمثل بالسلطان وكبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين والأعيان والتجار
- والاستغلال الإستعماري الخارجي ، المتمثل بالاستثمار الرأسمالي الأجنبي لبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وتركز نشاط هذا الرأسمال الاجنبي في القطاعات التالية:
- الخطوط الحديدية.. الموانئ.. شركات الكهرباء وغيرها من مناحي الاقتصاد.
وبذلك بدت الدولة في عهد عبد الحميد وكانها تمرّ في مرحلة نمو، ولكنه نموّ جرى على أيدي المستعمرين، الذين حوّلوا السلطنة العثمانية إلى دولة نصف مستعمَرة يسودها النظام الإقطاعي، وفوقهما أو معهما يدُ الاستبداد السلطاني، الذي استبدلته ثورة الاتحاد والترقي 1908 إلى استبداد أحدث من استبداد السلطان عبد الحميد، إلى إنهيار الدولة العثمانية 1918.