جمانة طه: محطات من زياراتي إلى أميركا
أوكلاهوما
بعد سبع ساعات في سفر بري من سان أنطونيو في تكساس، وصلنا مدينة أوكلاهوما وفيها يعمل ويسكن ابن اختي. المنطقة التي يوجد فيها بيت زهير جديدة وبعيدة عن مركز المدينة، والوصول إليها يتم عبر طريق جديدة وسريعة تدفع السيارات رسومًا للمرور عليها.
زيارتنا القصيرة لم تتح لنا فرصة لنرى كثيرًا من المدينة، لكننا لم نفوّت رؤية المكان الذي شهد عملًا إرهابيًا هزّ أميركا كلها، وليس أوكلاهوما وحدها. ففي شهر نيسان من العام 1995، قام جندي سابق يدعى (تيموثي ماكفاي) بتفجير عربة نقل محملة بالديناميت أمام مبنى الحكومة الفيدرالي، ذهب ضحيته /168/ إنسانًا. فعلت الأصوات من كل حدب أميركي وصوب أوروبي، تندد بالعرب وبالمسلمين القتلة والإرهابيين. لكن نتائج التحقيق أظهرت أنه لا علاقة للعرب وللمسلمين بما حدث، وأن من نفّذ التفجير هو رجل أميركي. وهذا يؤكد على أن الإرهاب لا وطن له ولا دين له ولا جنسية، لأنه موجود في كل بقاع الأرض وعند كل الشعوب.
في موقع الحادث وضعوا سياجًا شائكًا ليعلق عليه الناس من أهالي المدينة وزوارها رسائل وتذكارات، يعبرون فيها عن ألمهم وتضامنهم مع الضحايا وذويهم. وفي الموقع نفسه أقامت بلدية المدينة نصبًا تذكاريًا يحمل تاريخ الحادث، وأسماء من قضى فيه.
واشنطن دي سي
وَقَرَتْ واشنطن في قلبي، وسرقت مني آه الدهشة والانبهار. فجمالها ساحر، ومدنيتها مذهلة. في ترابها ترقد رموز فكرية وسياسية، أسهمت في رفد حضارة أميركا المعاصرة.
في 8/11/2000، وصلت وابني زياد في زيارة لها. وضعنا أمتعتنا في غرفة رقم 414 بأوتيل (ماريوت واشنطن)، ونزلنا إلى البهو لنأخذ الباص في جولة حول المدينة بناء على نصيحة الصديقة الأميركية الدبلوماسية (آن بوداين).
تحظى واشنطن بفخامة في البناء، واتساع في الشوارع إلى جانب دقة في تنظيمها. ويقال إن الفضل فيما هي عليه يعود إلى المعمار الفرنسي (بيير شارل لانفان)، الذي اختار ربوة الكابيتول نقطة مركزية لتتفرع منها الشوارع على شكل دولاب تزينه الزهور. قام السائق في أثناء سير الباص بدور الدليل السياحي، فكان يلفت أبصارنا إلى نهر (بوتمك) الذي يتلوى بغنج راقصة شرقية، وهو يفصل مدينة واشنطن عن ولاية فرجينيا. ويدلنا إلى أفرعه التي تحتضن جزرًا صغيرة، تغطيها غابات ومروج. واللافت أنه ما إن اقترب الباص من نصب جورج واشنطن المطل من تلة الكونغرس، حتى لانت نبرة السائق وَنّمَّتْ عن تقدير واحترام للرئيس الأول للولايات المتحدة الأميركية.
ضريح أبراهام لنكولن Abraham Lincoln 1809-1865م
في أثناء الجولة نفسها مررنا على مبنى لنكولن، وشاهدنا ضريحه المبني من الرخام الأبيض بشكل يشبه معبد بارثينون في أثينا. على كرسي الرئاسة يجلس لنكولن صامتًا، يتأمل ما يجري حوله من أمور وأحداث ربما لم يكن يتخيل أنها ستحصل. ولعله، وكما أظن، حاول أن يواري حزنه من المواقف غير الحميدة لحكومات بلده وما تفعله في مناطق مختلفة من العالم، لكن مياه البركة- المرآة التي تنعكس فيها صورته تظهر على وجهه علامات الأسف والشجن.!
وأحسب أن لنكولن كان يفضل أن يكون ضريحه بعيدًا عن مبنى وزارة الخارجية (الكابيتول)، التي لم تستطع أن تحميه من رصاصة الاغتيال.
إزاء الحديقة المحيطة بالنصب، يقوم ضريح ثالث رؤوساء أميركا توماس جيفرسون Thomas Jefferson (1743- 1826م) وسط مئات من أشجار الكرز، التي أهدتها طوكيو إلى واشنطن. هذا الرئيس الذي أقسم على مذبح الله أنه سيكون عدوًا أبديًا لأي نوع من الاستبداد، واشتغل على تأمين الحرية والمساواة لشعبه ولشعوب العالم.
على مدخل الضريح نقشت رسوم تمثل جيفرسون، وهو يتلو على لجنة الكونغرس إعلان الاستقلال الذي أكد في أحد بنوده على مبدأ السعادة كحق وطني أساسي. وعلى الجدران وضعت أربع لوحات تتضمن نصوصًا من الإعلان عن الاستقلال والحرية المادية والروحية وإلغاء الرق، وضرورة تطور القوانين الديمقراطية في البلاد لتواكب التقدم وبما يتلاءم مع الأجيال القادمة.
هزني المشهد، وتساءلت في نفسي، لو أنّ الرئيس جيفرسون علم بالجرائم التي تنفذها دولته باسم الحرية والديمقراطية والمساواة في بلداننا وفي مناطق عديدة من العالم، فكيف سيكون موقفه؟
كلمة لا بد منها
لا يستطيع أي إنسان مهما طالت زيارته لأميركا، أن يخرج بصورة دقيقة عن الشعب الأميركي. إما لغياب التجانس عن المجتمع المُكوَّن من جنسيات مختلفة ومتعددة، أو لتفرد كل ولاية بخصائص بيئية واجتماعية وحتى قانونية.
لكني أستطيع القول إن من قابلتهم من الأميركيين، كانوا غاية في اللطف والبساطة والطيبة بغض النظر عن سويتهم الاجتماعية والعلمية.
ومما يؤخذ على معظم الأميركيين هو أنهم لا يحاولون معرفة ما يجري في العالم، ولا يعنيهم مواقف دولتهم من بلدان العالم وشعوبها. فبالنسبة لهم ما دامت الحالة الاقتصادية جيدة والدولارات وافرة، فلا يهم إن غرق العالم في البحر أو ما يزال على اليابسة.