خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (6)
في أواخر عهد السلطان عبد العزبز الأول برز الى الوجود حزب يتزعمه رجل الاصلاح مدحت باشا وجلّ أعضائه من طلبة المدارس الشرعية ورجال الدين وبعض الوزراء وكبار الموظفين من العسكريين والمدنيين..
هذا الحزب قام بمظاهرات صاخبة في ساحات استطمبول مطالبا بعزل السلطان عبد العزيز الأول ومبايعة ابن أخيه مراد الخامس خليفة وسلطانا بدلا منه، وكانت تلك الأحداث خلال شهر أيار 1876، وتعزز موقف حزب مدحت باشا بانضمام وزير الحربية حسين عوني باشا الى الحزب وقائد الأسطول الحربي الذي حاصرت سفنه قصر السلطان من البحر وقوات سليمان باشا مدير الكلية الحربية من البر، ثم دخلت القصر وأبلغت الأمير مراد الخامس خلع عمه وتوليته العرش، ومن الطريف ذكره أن الصدر الأعظم محمود نديم ياشا عندما تم عزله عن الصدارة نتيجة الصراعات الشخصية بين مراكز القوى المحيطة بدوائرالحكم العثماني، نصح السلطان باخراج أمواله الهائلة خارج الدولة، و حدد له روسيا القيصرية كمكان اّمن لأمواله، فأخذ السلطان بنصيحة الصدر الأعظم المُقال ونقل أمواله وذهبه الى روسيا عن طريق البحر على متن سفينة حربية روسية بمساعدة السفير الروسي.
و تمت بيعة مراد الخامس في مقر وزارة الحربية بحضور قادة الجيش وأكثر الوزراء وأيضا شيخ الاسلام خير الله أفندي الذي أفتى بخلع عبد العزيز الأول وموافقته الشرعية على تولية مراد الخامس بدلا منه، ثم أطلقت المدفعية 101 طلقة بمناسبة تلك البيعة، وهذا يسمى في العرف العثماني بمدفعية الجلوس..
ثم تم نقل السلطان المخلوع الى قصر الباب العالي، حيث أقام فيه ثلاثة أيام ثم تم نقله وحاشيته الى قصر "جراهام" بناء على طلبه، وبعد ساعات نوم طويلة استيقظ السلطان المخلوع وعلائم وجهه تدل على الراحة والسكينة. فطلب من خدمه أن يأتوه ببعص الصحف التي تصدر في العاصمه، وأيضا بمشط ومقص لتشذيب لحيته وهذا التصرف هو عادة معروفة عنه ..ولما تمت تلبية طلباته أمر الجميع بالخروج من صالة جلوسه، وبعد زمن قليل أحس الجميع بصوت مريب كأنه سقوط شيء ما على الأرض، فتراكض الجمع الى صالون الخليفة المخلوع فوجدوه على الأرض بطوله ومضرجا بدمائه وهو يتخبط ولما يفارق الحياة بعد..! فأسرع الجميع بطلب الأطباء، ولكنه فارق الحياة منتحرا قبل وصول أي طبيب..
تلك رواية.. وهناك رواية أخرى تحدثت عن موته... وهي أن حسين عوني باشا وزير الحربية وبعض الضباط أرسلوا بايحاء من الصدر الأعظم مدحت باشا أربعة من الجنود دخلوا على السلطان المخلوع وقاموا بتثبيته ثم قطع عروق معصمه وتركوه ينزف حتى الموت..
و في ختام هذا المقال أقول إن حادثة انتحار أو قتل السلطان عبد العزيز الأول هو محط اختلاف شديد بين عديد من المؤرخين الأتراك منهم أو الأوربيين، وقد سردت الروايتين التي يتم تداولهما على الأكثر..
وهنا لا بد من القول أن سرد تاريخ أواخر عهد الدولة العثمانية يلزمه كثير من الحذر لكثرة المراجع والتي يجنح بعضها الى الانحياز اليها ايجابيا بسبب عوامل كثيرة جدا، أو الأخرى التي بكل وضوح تعاديها أيضا لأسباب كثيرة، ونحن نبغي الوصول من خلال قرائتنا لذلك التاريخ الى معرفة نسبة مئوية معقولة من حقيقة أحداث ذلك التاريخ بعيدا عن المحبة أو الكراهية، وبذلك تكون الفائدة أفضل من وجهة نظرنا، وهناك وجهات نظركثيرة قد تجانب بعض حقائق التاريخ وهذا ما قامت به الدوائر الغربية من تشويه مقصود وخلط أوراق لملفات كثيرة للهيمنة الفكرية بالاضافة الى التلويح الدائم بالقوة الناعمة أحيانا وبالخشنة أحيانا أخرى...
و للحديث بقية