تراجع الملكية المشاعية والوقفية لمصلحة الملكية الخاصة
كتب الدكتور عبد الله حنا:
كانت الأصناف الرئيسية لتملك الأرض بموجب قانون الأراضي العثماني لعام 1858 أربعة وهي:
- الملكية المشاعية
- الملكية الوقفية
- الملكية الخاصة
- أملاك الدولة.
وفي الحلقتين القادمتين سنتعرض للملكيتين المشاعية والوقفية وكيفية تحولهما إلى ملكية خاصة تاركين أمر أملاك الدولة لحلقة تالية .
***
الملكية المشاعية للأرض
وكانت في تراجع مستمر لمصلحة أصحاب العصبيات وأولي الأمر وذوي النفوذ، الذين استولوا على قسم من هذه الأراضي وحولوها إلى ملكية خاصة. ومع ذلك فإن قسما لا بأس به من الأرض بقي مشاعا لأهل القرية. ولكنه استثمر بصورة فردية منتظرا اجراءات التحديد والتحرير لتوزيع هذه الأرض وتسجيلها ملكية خاصة معروفة الحدود.
ومثال على الملكية المشاعية، منطقة الجولان الرعوية الكثيرة الأمطار، التي امتدت على بعض أجزائها احراج السنديان والحور وأشجار البطم، وتجول فيها البدو الرحل، وكانت تعتبر مراعي لطروش أهالي حوران والبلاد. كما سكن في بعض أجزائها المهاجرون الشركس وامتهنوا رعي الأبقار وعملوا في الزراعة، مع تفضيل قسم منهم للجندية والوظائف (1 مكرر).
وبعد سلسلة الاجراءات المتخذة أيام الانتداب الفرنسي لإزالة الشيوع، جاء المرسوم 176 لعام 1953 المتعلق بتحديد وتحرير وإزالة شيوع وتجميل القرى ليدفع بعملية إزالة الشيوع، ولكن ببطء ملحوظ. وتعتبر حوران، التي أفردنا لها بحثا خاصا، نموذجا للملكية المشاعية الفلاحية للأرض، التي خضعت للقسمة الدورية كل سنتين أو أكثر. ولم تنته أعمال التحديد والتحرير في حوران إلا منذ فترة وجيزة. وفي كثير من القرى ذات الملكية على الشيوع تمكن أرباب الوجاهة والنفوذ من الاستيلاء على قسم من القرية وأثناء عملية التحديد والتحرير حصلوا على أخصب الأرض كما حدث في قرية سريحين الواقعة إلى الشرق من حماة. فقد كانت ملكية قرية سريحين على الشيوع بين أهلها، الذين دفعوا ضريبتي (عشار ومال). وجاء وقت لم يستطع الفلاحون تسديد الضرائب المتراكمة عليهم. فجاء فؤاد البرازي من حماة وتعهد بدفع الضريبة، ثم قام بتسجيل الأرض بعد أن أتى بأشخاص انتحلوا شخصية فلاحي القرية وهكذا تملك البرازي نصف القرية على الشيوع. وبعد افتتاح عملية التحديد والتحرير أخذ أحسن الأراضي وأخصبها وترك للفلاحين الأراضي القاحلة، مما جعلهم مجبرين على العمل بالحصة في أرض الاقطاعي.
وفي وادي الفرات كانت أراضي الحاوي الواقعة بين الأراضي المنخفضة الملاصقة للنهر (الزور) وأراضي البادية مشاعا مملوكا من القرى المجاورة للحاوي. وفي الحكم الفرنسي، وبعده العهد الوطني (بعد 1943) أخذ الفلاحون يبنون بيوتهم في أراضي الحاوي المرتفعة نسبيا. وجرت في كثير من المناطق عملية تقسيم أرض الحاوي بين أفراد القرية أو العشيرة. وحدثت بسبب ذلك خلافات وصدامات حول مساحة الملكية. ويلاحظ أن الخلاف على ملكية أرض الحاوي المشاع أو الموات (أملاك الدولة) أخذ ابعادا خطرة بعد استخدام المضخات في الأربعينات والخمسينات ووصول مياه النهر بواسطة الرفع بالضخ إلى أراضي الحاوي المرتفعة. وقد شهدت المنطقة صراعا بين الشيوخ بمختلف درجاتهم والفلاحين ومتنفذي المدينة حول تملك أرض الحاوي بعد وصول المياه إليها.
كما دخل في عداد الأرض المشاع للقرية أراضي البوادي أو الجبال القريبة من القرية والمخصصة لرعي مواشي القرية أو العشيرة. وهنا جرى في الواقع تداخل بين ملكية القرية المشاعية وملكية الدولة لهذا الأراضي.
ويلاحظ أن الطموح كان عاما للخلاص من الأرض المشاع وتحويلها إلى ملكية فردية واضحة المعالم. وتقدم لنا المجموعة الاحصائية لعام 1956 حالة أعمال التحديد والتحرير حسب الأقضية. ومنها يتبين أن مجموع المساحة المحددة بلغ حتى نهاية عام 1955 مقدار 4406498 هكتارا. وكان لا يزال أمام برنامج التحديد مساحة تبلغ 7528349 هكتارا (2).
الملكية الوقفية
وقد تناولناها بالبحث مفصلا في مجلدات تاريخ الفلاحين المُباد. وما نريد الاشارة إليه هنا، هو أن المتنفذين من أصحاب "الحقوق" الوقفية سعوا جهد طاقتهم للاستيلاء على أراضي الأوقاف وتحويلها من ملكية وقفية إلى ملكية خاصة. كما أن عددا من أصحاب "الحقوق" الوقفية سعوا في أواخر الأربعينات لاغتصاب أراضي الفلاحين بحجة أنها كانت فيما مضى تابعة لوقف ذري معين. ادعى هؤلاء أن لهم حقوق الارث في هذا الوقف. وجاء طموح العائلات التي زعمت أن لها حقوقا في أراضي وقفية هي في تصرف الفلاحين، مع الموجة الجارفة التي غطت سورية في ظل نمو العلاقات الرأسمالية من جهة والاندفاع نحو تملك الأرض بشتى الوسائل والأساليب بصفتها موردا رئيسيا للثروة من جهة أخرى.
حول هذا الموضوع نقرأ نص عريضة الاحتجاج، التي تقدم بها نائب حوران محمد يوسف أبو رومية إلى المجلس النيابي في 15 / 3 / 1949 يسلط الأضواء فيها على محاولات من يدعون احقيتهم في الوقف الذري. جاء في العريضة:
ان قسما كبيرا من قرى حوران أصبحت مهددة بملكيتها للوقف منها قرية عقربا وجاسم وشيخ مسكين وكفر شمس وجبات وجمحة وطفس. هذه القرى المملوكة من وقبل أهلها بموجب اسناد تمليك منذ العهد العثماني وموضوع اليد عليها للاستثمار ويدفعون مرتباتها الميرية دون أن ينازعهم أحد بوضع اليد وبالملكية. نراها اليوم مهددة بالوقف إلى جماعات عديدين بهذه المدينة، واذا صح ذلك فما على الحورانيين إلا أن يذهبوا منها ويسلموها لمن يدعي الوقف.
ولا حاجة إلى القول أن أصحاب "الحقوق" الوقفية لم ينجحوا في مسعاهم، اذ ان التطورات اللاحقة الغت الوقف الذري وصفّت حقوق أصحابه أواخر 1949. ويبدو أن محاولة أصحاب الوقف الذري الاستيلاء على أراضي الفلاحين، الذين استثمروا الأرض بعد خضوعها ردحا من الزمن إلى وقف ذري معين، لم تقتصر على حوران وحدها. وهذه المسألة بحاجة إلى دراسات أكثر تفصيلا.
وبالمقابل تمكن "أرباب النفوذ الديني والسياسي والمالي" من هزيمة الفلاحين في أماكن كثيرة وبخاصة قبل الخمسينات. وقد افردنا في كتاب الفلاحين المُّباد دراسة خاصة لقرية الزرّاعة إلى الجنوب الغربي من حمص، التي جرى فيها صراع بين مدعي الوقف الذري والفلاحين، استمر أكثر من نصف قرن.
***
نعرض فيما يلي ما رواه لنا الفلاح علي محرز مواليد 1930 في الحميرة والمقيم حاليا في قنية العاصي، من معاناة والده المهجّر من القرية بعد انتصار مدعي الوقف على فلاحيها. كانت قرية الحميرة الواقعة إلى الغرب من حماة بالقرب من عقرب وقفا ذريا لآل الحريري الحموية. ومع مجيء لجنة التحديد والتحرير في منتصف الثلاثينات حاول الفلاحون تملك أراضي القرية ما دامت أرض أوقاف وهم العاملون بها. ولكن الحريرية بما لهم من نفوذ تمكنوا من تسجيل القرية باسمهم بعد صراع حاد مع الفلاحين. وبعدها قاموا بتهجير الفلاحين المطالبين بملكية الأرض وأتوا بفلاحين جدد أقروا حق الملكية "المقدس" للاقطاعيين.
وحول اعتداء أولي الأمر والمتنفذين وأهل العصبيات على أراضي الأوقاف ننقل نص التقرير الذي قدمه النائب جمال علي ديب في جلسة المجلس النيابي في 9 / 3 / 1949 حول وقف جامع السلطان ابراهيم في جبلة. جاء في التقرير: -
"ان كثيرا من شروط الوقف كإطعام الأيتام والمساكين وأبناء السبيل ومساعدتهم وتثقيفهم قد أهمل أمره... ان كثيرا مما كان قديما في جامع السلطان ابراهيم في جبلة وحوله من دار للضيافة ومطعم شعبي، وفرن، وحمام، ومدرسة في باحته قد اندثرت.. كذلك يستحسن اقامة مدرسة في جانبه، نفقاتها من الوفر الحاصل من الاحتياطي المدور ومن طي النفقات الثانوية. السلطات المنتدبة تساهلت في تسجيل كثير من أوقاف الجامع كملك لأشخاص من المرضي عنهم والمقربين. كما ضمت ايراداته إلى المالية لصرفها وفق هواها، ولذلك هبطت واردات أوقاف الجامع من 55 ضعفا إلى ضعفين في الأراضي المشجرة ومن 18 ضعفا إلى ضعف واحد ونصف الضعف في الأراضي غير المشجرة".
"المحاكم العقارية المختصة أصدرت حكمها باستيفاء الريع الصحيح لتلك الأوقاف (55 في الأراضي المشجرة و18 في غير المشجرة) ممن حاولت السلطة المنتدبة اقطاعهم اياها، وانني أتساءل لماذا تتساهل مديرية الأوقاف في استيفاء الواردات منهم على الشكل الصحيح... فيعود إلى الجامع – وما إليه مما كان يستفيد منه أصحاب الاستحقاق في مدينة جبلة وقضائها بوارداتها – وضعه القديم وان تعاد طريقة انفاق الريع إلى ما كانت عليه في السابق، وهي أن ينفق في مكان الموقوف له، كما هي الحال في سائر الأوقاف الأخرى كالحرمين الشريفين والمغربي وغيرهما".
ان احتجاج نائب جبلة عام 1949 على مساعدة سلطات الانتداب للأشخاص المرضي عنهم لتسجيل أرض الأوقاف باسم المحظيين هو احتجاج من أحد كبار الملاك ضد اقطاعي آخر كان أكثر حظوة من الأول في التقرب من السلطات والاستعانة بها لبلع أراضي الأوقاف. فالاحتجاج هنا هو احتجاج اقطاعي ضد اقطاعي، وليس احتجاجا فلاحيا ضد الاقطاع. وتاريخ سوريا وغيرها من الأقطار العربية غني بالأمثلة عن صراع الاقطاعيين فيما بينهم لتملك الأرض والاستئثار بثروتها من وراء ستار المصلحة العامة. وتحت ذريعة الدفاع عن الحقوق المهضومة...
الحلقة القادمة:
ما المقصود بأملاك الدّولة