تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 61 و 62
الجزء 61
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
بعد تسلمي رئاسة قسم التحقيقات بحوالي الشهر بدأت باستلام رسائل من القراء. كان بعضها مغفل الاسم وبعضها مرسل بالاسم الصريح. بعضها يعرض قضايا شخصية بحتة. وبعضها الآخر يعرض مشاكل تعاني منها بلدة أو حي ما في مختلف المدن السورية.
لم أكن أهمل أيا من هذه الرسائل، كنت أحاول دائما التأكد من صدقية المعلومات الواردة فيها ومن كونها غير كيدية. و أبني على الشيء مقتضاه.
أول رسالة وردت لي وهي تحمل محتوى خطرا وهاما يستدعي التحقيق فيه وردتني من قرية صغيرة تابعة لمحافظة الرقة تدعى "الخميسية".
كان مرسل الرسالة معلما يعمل في المدرسة الابتدائية الوحيدة الموجودة في القرية.
أفادني المعلم من خلال رسالته أن عملية احتيال قضائية قام بها قاض عقاري يدعى (ا. ص) قد أسفرت عن تجريد سكان القرية من كافة ممتلكاتهم وتم تسجيلها باسم أحد أبناء القرية الفقراء والبسطاء. و إن المالك الجديد المتواطئ مع القاضي العقاري يطالب أصحاب العقارات بدفع أجرة هذه العقارات التي يشغلونها سواء كانت بيوت سكن أو أراض زراعية. وإن الحكم الذي اصدره القاضي قبل عدة أشهر سيدخل مرحلته القطعية بعد مدة لا تتجاوز الشهر .حيث سيخسر أهل القرية كافة ممتلكاتهم لصالح القاضي العقاري المذكور المختبئ وراء ابن القرية البسيط.
ولكي يثبت المعلم مصداقيته ومنعا لحدوث اي التباس، أرسل لي داخل الرسالة صورة عن هويته الشخصية وكذلك هويته النقابية وعنوانه بالكامل كما أخبرني بانه في حال نوينا إجراء تحقيق صحفي حول هذه القضية، فيجب أن نستخدم سيارة كبيرة من نوع لاند أو رانج روفر للوصول إلى القرية. لأن الطريق الموصل اليها ترابي ووعر ولا يمكن لسيارة عادية الوصول إليها بدون أن تواجه صعوبات أو مشاكل ميكانيكية.
كان الزميل المحرر في القسم المرحوم مصطفى عتيق بالاضافة لكل من الزميلين سعيد هلال وسلمى كركوتلي من أكثر الزملاء شغفا بالقيام بمثل هذه التحقيقات الميدانية وخاصة تلك التي يكون ميدانها المحافظات النائية..
كان الزميل مصطفى متواجدا في القسم حين اطلعت على الرسالة فاستدعيته و أطلعته على محتواها. فأبدى رغبة وحماسة لإجراء التحقيق في مضمون الرسالة.
كنت أدرك أن التصدي للتحقيق في هذه القضية ليس سهلا من حيث المبدأ لعدة أسباب أهمها..
- اولا: إن خصمنا في القضية هو قاض عقاري، والجميع يعرف ان تدخل الصحافة في الاحكام القضائية فيه الكثير من المحاذير القانونية والسياسية. بإلاضافة لكون القاضي حزبي ومدعوم و"حربوق" ويستطيع الوصول لمبتغاه بسهولة ويسر كما وصفه لنا المعلم في رسالته.. ودليله انه تمكن من الاستيلاء على قرية بكاملها دون أن يتدخل أحد أو على الاقل أن لا يشعر به أحد!؟
- ثانيا: كان محافظ الرقة أيامها اسمه محمد سلمان. والرجل كان قد روجه الإعلام الرسمي على انه المحافظ الأكثر عملا وانجازا وقوة بين جميع المحافظين. وان الرقة على وشك أن تصبح في عهده أهم و أجمل مدينة في الجزيرة السورية.. وواحدة من أهم المدن السورية على الاطلاق. فكيف يمكن أن يتقبل وهو على هذه الحال وجود هذه الفضيحة في "مملكته" وكيف سيفسرها وكيف سيتعامل معها ومعنا؟!
كذلك أجريت بعض الاتصالات حيث تمكنت خلالها من الحصول على بعض المعلومات التي تفيد بأن أمين فرع الحزب في المحافظة هو إبراهيم هنيدي ابن المنطقة وابن عشيرة العجيل الجبورية. وأنه يتمتع بنفوذ وتعاطف كبيرين من أبناء منطقته، وبالتاكيد فانه لن يكون سعيدا بكشف بعض ما هو مستور في محافظته سواء كان على علم بالفضيحة ام لا..؟!
- ثالثا: كنا في شهر تشرين الأول. وعلى مسافة عدة أسابيع من ذكرى الحركة التصحيحية التي تصادف في 16 تشرين الثاني. والتي تبدا وسائل الاعلام السورية الاحتفاء بها قبل شهر من موعدها بنشر المقالات والزوايا والتحقيقات الني تبرز "الانجازات" التي حققتها الحركة. فكيف ستنشر الجريدة فضيحة لم نعرف حتى الان ابعادها في أيام مخصصة للاحتفال بالإنجازات؟!
اطلعت الزميل مصطفى على هذه الصعوبات لا لأحبطه أو أخيفه بل لأحرضه و أقنعه بأننا على وشك تحقيق إنجاز غير مسبوق في الصحافة السورية وفي مناسبة الحركة التصخيحية اذا ما سار كل شيء كما خططنا. ولكي أمنحه ثقة أكبر طلبت منه أن يبدأ عمله من مبنى محافظة الرقة بل من مكتب المحافظ تحديدا!؟
أبدى مصطفى استغرابه من خطتي فعاجلته بالقول:
- نعم. عند وصولك إلى الرقة توجه فورا لمنزل مراسلنا هناك واصطحبه إلى مكتب المحافظ و اطلب من مدير مكتبه أن يزودكم بسيارة كبيرة بداعي أنك تزور المحافظة لإنجاز عدة تحقيقات عن منجزات الحركة التصحيحية في المناطق الريفية البعيدة وعندها سيلبي طلبك بسرعة وبكل أريحية. و أضفت: عندها اترك سيارة الجريدة في مراب المحافظة وتوجه إلى الخميسية بسيارتهم.. و بذلك نكون قد نجحنا في تحويل المناسبة التي تعيق عملنا وهي "الحركة التصحيحية" إلى مناسبة مساعدة لنا.
راقت الفكرة للزميل مصطفى واستغرق بضحكة مجلجلة وقال:
- أتخيل منظر المحافظ عندما يعلم بالخدعة التي رتبتها له.. لا أشك ابدأ أن السيد المحافظ سيطلب رقبتك!؟
وجهت كتابا لرئيس التحرير عميد خولي طلبت من خلاله موافقته على تزويد الزميل مصطفى عتيق بسيارة وتكليف مصور بمرافقته لإجراء تحقيقات صحفية عن منجزات الحركة التصحيحية في محافظة الرقة. وكذلك التحقيق في قضية احتيال أسفرت عن استيلاء أحد المتنفذين على أراض للفلاحين في قرية الخميسية.. و لم أوضح في كتابي أبعاد هذه القضية ولم أعرها الأهمية التي تستحق. حتى لا يعتبر رئيس التحرير الأستاذ عميد أن الوقت غير مناسب لانجاز هذا التحقيق..!؟
وافق رئيس التحرير على المهمة و انطلق الزميل مصطفى والمصور إلى محافظة الرقة. لإجراء تحقيق سيثير لاحقا الكثير من ردود الفعل. الرسمية في دمشق. والشعبية في منطقة الجزيرة.. ويجعل حافظ الأسد يوقظ محمود الزعبي من نومه في السابعة صباحا..!؟
*****************
الجزء 62
توجه الزميل مصطفى عتيق الى الرقة للتحقيق في قضية قرية الخميسية. وكما خططنا التقى مباشرة بمراسلنا هناك وذهبا سوية إلى مبنى المحافظة حيث طلبا من المحافظ التكرم بوضع سيارة تحت تصرف جريدة تشرين مدعين انهم سيقومون بإجراء تحقيقات صحفية حول "انجازات" الحركة الصحيحة في المحافظة.
طبعا سعد المحافظ بالطلب وأمر بوضع سيارة كبيرة وقوية تحت تصرف "بعثة تشرين". دون أن يكتشف الغرض الحقيقي من التحقيقات.
مساء، اتصل مصطفى بي وأخبرني أن كل شيء يسير وفق المخطط وأنه سيتوجه في الصباح الباكر إلى الخميسية مصحوبا بالزميل المصور وأنه سيتصل بي متى تيسر له ذلك..
بقيت يومين لم أتلق خلالهما أي اتصال من مصطفى فبدأت أشعر بالقلق. فلا أحد كان يعلم أو يخمن ماذا يمكن ان ينتظره في القرية؟
اتصلت بمراسلنا في الرقة الذي أخبرني بأنه لم يتلق أي اتصال او أي خبر من مصطفى. وأنه هو الآخر قلق عليهم. وأنه جاهز للقيام بكل ما أراه ضروريا لمعرفة سبب انقطاع أخبارهم. فطلبت منه التريث حتى ظهر الغد واذا لم يعد سأبلغه كيف سيتصرف..
تقريبا بقيت طيلة الليل دون نوم. كنت غارقا في وضع احتمالات لما يمكن أن يكون قد حدث مع الشباب في الخميسية.
كانت أكثر الاحتمالات التي وضعتها سوداوية ومثيرة للقلق. ولكن لم يكن أمامي ما أفعله سوى الانتظار حتى الصباح..
استيقظت باكرا وتوجهت إلى مبنى الجريدة. وبمجرد أن دخلت إلى مكتبي رن جرس الهاتف. كان مصطفى على الخط.. سعدت وارتحت كثيرا لسماع صوته وطلبت منه أن يحدثني عن زيارته للخميسيه وعن السبب الذي حال دون اتصاله بي..
أخبرني مصطفى بأنه لم يتمكن من الاتصال بي بسبب عدم وجود خطوط هاتفية في منازل المواطنين وأنه لم يستعمل هاتف المدرسة أو المخفر للمحافظة على سرية التحقيق. كما أخبرني أن قضية الخميسية اكبر بكثير مما كنا نعتقد..
قال لي: إن القاضي (ا. ص) لم يكتف بالاستيلاء على الأراضي الزراعية و أراضي البيوت السكنية في القرية فقط. بل إنه استولى بموجب الحكم القضائي على الأراضي التي بنيت عليها المؤسسات العامة كالمدزسة والمخفر والمقبرة وكامب بنته شركة رومانية تعمل في استثمار الأراضي في المشروع الرائد.. و أنه أجرى الكثير من المقابلات مع سكانها وتجول فيها وفي أراضيها الزراعية وانه التقط مئات الصور للوثائق و"الحجج" التي تؤكد ملكية سكان القرية لاراضيها الزراعية والسكنية منذ أيام تركيا وفرنسا..!
سألت مصطفى:
- بما أنهم يمتلكون هذه الوثائق فعلى ماذا استند القاضي في إصدار حكمه الذي بموجبه نزع ملكية الاراضي منهم.
قال مصطفى:
- هذا ما سنحاول معرفته ولكننا نفتش على طريقة تمكننا من الوصول إلى ملف القضية في القصر العدلي.
سألته:
ألا يعرف مراسلنا أيا من موظفي القصر العدلي..؟
أجاب مصطفى
- مراسلنا يعرف ولكننا نخشى ان نطلب منه المساعدة فيخذلنا ويكشف سرنا ويفشل التحقيق!؟
قلت لمصطفى:
- اطلب من مراسلنا ان يدعو الموظف لتناول فنجان قهوة في المكتب وتحدثوا معه بطريقة عاطفية واشرحوا له تفاصيل القضية و اطلبوا منه ان يطلعكم على الملف لمدة ساعة واحدة فقط مع وعد بالمحافظة على سرية تعامله معكم. و أنا واثق بأنه سيوافق من باب التعاطف مع شريحة واسعة من الناس "المعترين". وإذا لم يوافق ابحثوا عن موظف آخر مستعد للتعاون معكم من أجل سرقة الملف وتصويره وإعادته مهما كلفكم الأمر. وأنا أتحمل المسؤولية الكاملة عن عملية السرقة وعن كلفتها؟!
قال مصطفى:
- ولا يهمك.. ونحن معك!؟
بدأت أشعر بارتفاع الأدرينالين في دمي. فحدسي يؤكد لي بان القضية متجهة إلى المزيد من الإثارة..
لم يكذبني حدسي كعادته. فقد اتصل بي مصطفى مساء وطرح علي أحجية وهو مستغرق في الضحك.. قال:
- احزر من يوجد عندنا بالمكتب؟
فورا اتجهت شكوكي باتجاه القاضي العقاري (ا. ص). ولكني سألته..
- من؟
قال:
- القاضي بذاته جاء و أدخل معه الى المكتب أربع "تنكات مشكلة". جبنة وسمنة بلدية وما بعرف شو. وقال لنا:
أرجو ان تأخذوا هذه التنكات معكم إلى الشام. اشتهيتهم لأختي أم تمام!؟
ضحك مصطفى حتى الثمالة بينما دخل محسوبكم في حالة من الذهول..
فأم تمام لمن لا يعرف من الاصدقاء هي زوجتي. وقد اعتدت من قبل زواجنا وأثناءه وبعده ومن قبل أن تنجب تمام ومن بعد الإنجاب أن اناديها باسمها المجرد من الألقاب حتى لا أحس بتقدمها في العمر وتحدثني نفسي الامارة بالسوء أن ارتكب ما لا تحمد عقباه..!؟
بسرعة خطرت بذهني عدة أسئلة من عيار:
- كيف توصل سيادة القاضي إلى أني أبو تمام وان زوجتي أم تمام!؟
- وكيف عرف أني ادير التحقيق من وراء الكواليس الامر الذي دعاه لمحاولة رشوتي!؟
- وما هي المعلومات المتعلقة بي التي تمكن من الحصول عليها في هذه المدة الزمنية القصيرة. وما هي المفاجآت الأخرى التي يرتبها لي؟!
لم يوقفني عن طرح هذه التساؤلات إلا صوت مصطفى الذي جاءني عبر الهاتف وهو يقول لي:
- ماذا أقول له بشأن الهدايا..؟
قلت له:
- قل للقاضي التالي: يقول لك أبو تمام زوج أم تمام. إن اختك قد زاد وزنها في المدة الأخيرة لدرجة أن الشحوم التي تختزنها باتت تعيق غزاوته الليلية.. لهذا السبب فقد منعها عن تناول المأكولات الدسمة، ولذلك فهو يعتذر عن قبول هديتك الثمينة..!؟
ما أن أكملت قولي. حتى أطلق مصطفى ضحكة طويلة لم تنته إلا بعاصفة من السعال الرطب كادت تسبب له مشكلة في جهازه التنفسي. وعندما هدا قال لي:
- لا شك انك تمزح!؟
قلت له
- لا. لا أمزح.. أرجو ان تتقيد بحرفية هذه الإجابة. وسأخبرك في وقت لاحق لماذا أجبته بهذه الطريقة..
قال مصطفى:
- ما في خواص.. أنت هو أنت!؟
قلت له:
- سأطلب منك طلبين قبل ان تنهي المكالمة.
الاول: أن لا تقبلوا التنكات بأي ثمن وان تساعدوه بنقلها إلى سيارته. وإذا رفض افتحوها وفرغوا محتوياتها بحضوره في الشارع أو في حاوية القمامة.
والثاني: أن تعطيه الحق الذي تكفله أخلاقيات وقوانين و أدبيات العمل الصحفي بالدفاع عن نفسه وعرض وجهة نظره بالقضية من خلال مقابلة تجريها معه..!؟
انتهت المكالمة مع الزميل مصطفى. ورحت أفكر في أمر هذا القاضي الذي دفعه غروره وثقته الزائدة بنفسه لارتكاب الأخطاء القاتلة قبل بداية المعركة التي - لا محالة - ستنشب بيننا وبينه!؟
بعد نصف ساعة عاد مصطفى للاتصال بي وأخبرني بأنه أوصل رسالتي وأن القاضي صعق لهول الإجابة وظهرت على وجهه وسلوكه علامات الغضب، وأنهم اعادوا التنكات إلى سيارته. وأنه رفض أن يتحدث بموضوع الخميسية أو بإجراء اية مقابلة حول هذا الموضوع. واكتفى بالقول:
- لا أريد أن أتحدث معكم في هذا الموضوع. بل سأتحدث مع ابو تمام بخصوص القضية في وقت لاحق. وعندما أخبرناه بان الأستاذ تميم لن يجري معك اية مقابلة وأننا نمنحك اليوم آخر فرصة للدفاع عن نفسك أجابنا.
- لن أطلب مقابلة صحفية من الأستاذ تميم. بل سأتحدث معه بطريقة أخرى!؟
قبل أن أنهي المكالمة مع مصطفى قال لي:
- هل يمكن أن أسألك سؤالا يلح علي. ولما أجبته بالإيجاب سألني:
- كنت أعرف انك لن تقبل التنكات التي أحضرها القاضي. ولكني لم أعرف لماذا اعتمدت هذا الأسلوب وهذه العبارات في رفضها..!؟
قلت لمصطفى:
- الاسلوب الذي اعتمدته لرفض "التنكات" يا زميلي. كان رسالة تأديب مسبقة لرجل مغرور ووقح يعتقد أنه قادر على شراء ضمائر الآخرين. أردت أن أقول له:
- انت رجل سخيف ولا تستحق أكثر من هذه الإجابة المهينة والساخرة!؟
بعد يومين اتصل بي مصطفى ليبشرني بأن الموظف الذي يعرفه مراسلنا في الرقة والذي يعمل في القصر العدلي، قبل التعاون معهم، وتمكن من الحصول على ملف القضية وأنهم صورا جميع الوثائق الموجودة فيه.
في ذات اليوم غادر مصطفى الرقة متوجها الى دمشق لاعداد التحقيق بصيغته النهائية..
عاد مصطفى عتيق دون أن يعرف حجم العقبات التي سيواجهها التحقيق وعدد الوساطات التي تدخلت لإيقاف نشره. ودون أن يعرف ايضا أن القاضي الفاسد (أ. ص) قد سبقه بالوصول إلى دمشق..!؟
"يتبع"