جمانة طه: عز الدين القسام 1882-1935.. درة تاج الجهاد

مقتطف من بحث طويل أردت به أن أذكر بالشيخ عز الدين القسام وبمواقفه، في هذه المرحلة من التطبيع مع العدو الصهيوني
 
عز الدين القسام 1882-1935
درة تاج الجهاد
 
علّقتُ قلبي فوق شجرة ليمون وأرحت روحي داخل أزهارها، وقلت: لعله مشى في هذه الحاكورة البحرية، فتطلعني على بعض ما سمعتْ من بوح الشيخ وشجونه، وأعرف السرّ الذي صنع منه قيمة ونهجًا. ماست الشجرة طربًا وكأنها استشفت ما يدور في خاطري، فقالت: ليس في الأمر أسرار! ومواقف الشيخ لم تكن فيء شجرة ولا استراحة في بستان، وإنما هي صدق قلب وثبات جنان، ومحبة تتفانى في إرضاء الله من أجل كرامة الإنسان.
أدهشني عمق الجواب وصدقه، وحفزني إلى أن أتقصى مسيرة هذا الرجل الذي لا أعرف عنه أكثر من أنه رجل ورع وتقي، خرج من جبلة وذهب إلى فلسطين لمساندة أهلها في مقاتلة البريطانيين والصهاينة.
بعد عودتي إلى بعض المراجع، وجدت أن القسام هذا الفتى -الشيخ انطلق في سماء العروبة مثل شهاب ثاقب، يحمل في ضوئه النور والنار. النور الهادي لأهله وشعبه، والنار الحارقة للأعداء المحتلين أعداء العروبة والإسلام، فصار للأعداء هدفًا، وللأصدقاء ملاذًا.
وإذا كانت الأرض السورية قد أنجبت على مر الزمان أبطالًا يدفعون الأذى عنها وعن الأرض العربية، فإنه من اللافت حقًا أن يولد في بلدة صغيرة وفي مجتمع فقير ماديًا ومتخلف علميًا، فتى مطهرًا من وباء القطرية وممتلئا غيرة قومية. فتى تؤرقه مشكلات مجتمعه وهموم أمته، فيتخذ من القرآن وآياته جواز سفر إلى الجهاد في سبيل الله من أجل تحرير الوطن وتنقيته من الفقر والأمية والاستعباد.
إن مشاركة عز الدين في محاربة الانتداب الفرنسي على سورية، والوجود البريطاني والصهيوني في فلسطين أمر غير مستغرب. فسورية وطنه، وفلسطين من بلاد الشام التي هي كل الوطن. ولكن أن يسعى للذهاب إلى ليبيا ومساندة الأشقاء في مقاومة الاستعمار الإيطالي، فهذا كرم ما بعده كرم وشهامة ما بعدها شهامة. فحين بادر القسام إلى تجنيد الشباب من جبلة وغيرها من مدن وقرى الساحل السوري وتدريبهم على حمل السلاح للذهاب معه إلى ليبيا، كان يرغب في أن يبعث الروح في حركة الجهاد المبنية على فكرة وحدة الأمة. لكن رغبته لم تتحقق، فقد أخلّت الحكومة العثمانية بوعدها له ولم تنقل المجاهدين بحرًا من إسكندرونة إلى طرابلس الليبية. وقيل بأن الشيخ لم ييأس بل تابع المحاولة إلى أن تمكن من مؤازرة المجاهدين في الحد الأدنى، ونقل إليهم ما تم جمعه من مال وعتاد.
ما سبق ذكره عن المجاهد الشيخ عز الدين القسام يسوقني إلى التساؤل: لماذا تقاعس أهل مدينة جبلة عن تكريم هذا الرجل الظاهرة؟ أليس حريّ بجبلة وهي تفخر بانتسابها إلى سلطان الزهاد إبراهيم بن الأدهم الذي يثوي في ثراها، أن تفخر أيضًا بانتسابها إلى شيخ المجاهدين عز الدين القسام الذي ولد فيها ودرج على مرابعها، فتصبح جبلة العز الأدهمية؟