تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 65

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
 
في الصباح الذي نشرنا فيه التحقيق، استيقظت في وقت مبكر على خلاف العادة. توجهت إلى المطبخ، حضرت فنجان قهوة. فتحت الراديو، ودندندت الاغاني بصوت خفيض حتى لا اتسبب بايذاء أحد داخل البيت أو خارجه!؟
كان شعور من الراحة والبهجة والمرح يتملكني ويفتح شهيتي وقابليتي للمزاح والدعابة والتفاؤل. تماما كما حالتي الآن وانا اكتب هذه الحلقة لكم. حتى خيل لي ان شيئا أو أحدا لن يتمكن في ذلك اليوم من تعكير مزاجي او السطو على الطاقة الإيجابية التي تعتمل داخلي مهما أوتي من قدرة على الاستفزاز أو الإزعاج!
في السابعة والنصف صباحا رن جرس المنزل. . لم يكن صعبا التوقع ان الطارق له علاقة ما بالتحقيق الذي نشرته فجرا عن قرية الخميسية.
توجهت لافتح الباب وانا ما زلت أدندن رغم أني وبسرعة البرق حصرت شبهة الزيارة الصباحية باحتمالين اثنين..
اما موفد من وزارة الإعلام أو الجريدة جاء ينبئني بحدوث أمر جلل جراء نشر التحقيق. أو دورية للأمن جاءت بغرض أصطحابي "للاستجمام" في أحد منتجعاتها!؟
فمنذ اللحظة "الغارقة" التي تزوجت فيها، لم أعتد على استقبال زوار أو تلقي خدمات في مثل هذا التوقيت المشين. فقط كان اسماعيل سائق الجريدة أول شخص يطرق بابي يوميا في تمام الساعة التاسعة وليس السابعة، ضمن الجولة اليومية التي يجمع فيها بعض رؤساء الأقسام داخل سيارته، ومن ثم ينقلهم إلى مبنى الجريدة حيث يفرغ المحتويات المحمولة أمام المبنى!؟
كل تلك الهواجس خطرت ببالي في الفترة الزمنية التي احتجتها لكي اقطع المسافة بين غرفة النوم وباب الشقة. ولكن ذلك لم يفت في عضدي ولا في سعادتي!؟
فتحت الباب على نية "الاستجمام"، ولكني سرعان ما اصبت بخيبة أمل كبرى.. كان الطارق هوالسائق إسماعيل نفسه.. ولاني كنت قد قررت ان اواجه احداث يومي هذا برحابة صدر ونفس راضية مرضية. عاجلته بالسؤال بصوت ثخين، وعلى الطريقة المسرحية اياها التي كنا تعودنا سماعها في المسلسلات التاريخية:
- ما الذي أتى بك في هذه الساعة المبكرة يا أخا العرب. وكيف تجرؤ على رن الجرس والناس نيام. ودعوته للدخول..!؟
فوجئ صديقي إسماعيل بشكل السؤال ومضمونه. تردد قليلا ثم طلب مني بمنتهى الجدية والوقار وبلهجة آمرة ان أسرع في ارتداء ثيابي، لاني مطلوب على عجل من قبل القيادة القطرية ومن الرفيق محمود الزعبي رئيس مكتب الفلاحين القطري حصرا. وأفادني بان رئيس التحرير الأستاذ عميد خولي كلفه بأن يشحني إلى مقر القيادة دون ابطاء..!؟
استمهلت إسماعيل وتمنيت عليه أن يتكرم ويوافق على تناول فنجان من القهوة ريثما اعمل "دشا" ساخنا لاني افضل أن أكون على "طهارة" عندما أزور الأماكن المباركة. مثل القيادتين القطرية والقومية وفوقهما الجبهة الوطنية التقدمية. اما عندما يتعلق الامر بالفروع الامنية فلا لزوم "للدش". لأن الرفاق هناك جاهزون "ليحمموا" ضيوفهم بشكل متواصل ودون أن يمكنوهم من ان يلتقطوا انفاسهم على طريقة." طاسة سخنة وطاسة باردة"!؟
وافق الصديق اسماعيل على طلبي بإشفاق وبطريقة تحاكي إلى حد كبير الطريقة التي يوافق فيها الجلاد على تلبية الرغبة الأخيرة لمحكوم بالاعدام سيعلق قريبا على حبل المشنقة..!؟
كانت "حرمي" كما كل النساء استيقظت على رنين الجرس. وتسللت ورائي بخفة واستمعت لما دار بين إسماعيل وبيني من فصيح الكلام فعرضت علي مشكورة أن تقوم بتحضير القهوة ريثما انتهي من عملية الغسل..!؟
وبهذه المناسبة. وبما أنها سيرة وانفتحت. أردت أن أوضح لكم أمرا مهما. فأنا لم أكن اطلق تسمية "حرمي" على أم تمام بصورة دائمة.. كنت أسميها "حرمي" فقط في تلك الأيام التي تعقب الليالي التي كانت "تحرمني" فيها من انسها. وأعتقد أن تسمية "حرمي" في مثل تلك الظروف تكون مبررة ومشروعة لأنها كانت بالنسبة لي تمثل شكلا من أشكال الدفاع عن النفس والاحتجاج على الحرمان من الحقوق!؟
لنقل اني "ولجت" إلى الحمام. عملت دشا ساخنا. ثم "ولجت" إلى غرفة النوم وارتديت أجمل واثمن ما لدي من ثياب. ورافقت إسماعيل، و"ولجت" معه إلى السيارة المركونة في الشارع.. والحقيقة لا أعرف لماذا كان فعل "ولج" مسيطرا على تفكيري في ذلك اليوم التاريخي!؟
جلست إلى جانب إسماعيل وقبل أن يتحرك. طلبت منه أن يسمعنا اية اغنية يعثر عليها في الراديو. ثم طلبت منه التوجه الى الجريدة!؟
استغرب الرجل الطلب، واخبرني أن الأستاذ عميد رئيس التحرير طلب منه إيصالي إلى القيادة القطرية حصرا والى مقام الرفيق الزعبي شخصيا. لانهم ينتظرونني هناك ويخشى أن يلام اذا لم ينفذ التعليمات..
طيبت خاطره وطمانته بأن أحدا لن يحمله مسؤولية لانني انا الذي سيتحملها فاتجه بي نحو مبنى الجريدة عل مضض..
قد تتساءلون:
- لماذا جئت الى مكتبي في الجريدة ولم أذهب مباشرة إلى القيادة؟
لقد تعمدت أن أرسل رسالة للمسؤولين عن طريق الرفيق الزعبي مفاده.. أننا نحن - الصحفيين - لسنا مستعدين للهرولة الى مكاتبهم عند أول إشارة يرسلونها إلينا. نعم ساذهب وهذا لا يعيبني كصحفي. فنحن جهدنا لإنجاز هذا التحقيق. من أجل أن نعيد الحق لأصحابه ونرفع الظلم ونكف أيدي الظالمين. وبما أن القيادة تريد إكمال المهمة فسيكون من دواعي سروري أن البي الدعوة. وان ذهب إليهم ولكن ليس أن اهرول. !؟
كنت ومنذ بداية عملي في الصحافة مؤمنا بان العلاقة بين الصحفي والمسؤول يجب ان تكون قائمة على قاعدة من التكافؤ والاحترام. وإلا لن تقوم للصحافة قائمة في بلدنا.
كما اني أيقنت. من خلال تجربتي وخبرتي بتحركات المسؤولين وردود افعالهم ومن خلال ما جرى خلال الساعة الماضية. أن الرفيق الزعبي يعمل ويتحرك لمعالجة قضية الخميسية تحت ضغط هائل لم اكن متأكدا من مصدره. ولكن وبغض النظر عن مصدر الضغط فقد اعتبرت ان الفرصة قد حانت الآن لأوصل هذه الرسالة ولو لواحد فقط أو مجموعة صغيرة من المسؤولين عن طريق التباطؤ في تنفيذ رغباتهم..!؟
كنت قد شربت نصف فنجان القهوة عندما رن جرس الهاتف في المكتب. رفعت السماعة. كان مدير مكتب الرفيق الزعبي على الخط. اخبرني بأن الرفيق يريد التحدث الي. فرحبت بالفكرة وبالرفيق أبو مفلح.
فورا وبدون مقدمات قال لي أبو مفلح بلهجة غاضبة:
- اين أنت يا تميم. شو عم تساوي . صرلنا ساعتين عم نستناك!؟
قلت له ببرود:
- انا في مكتبي عم اشرب قهوتي!
أجابني بلهجة مهادنة؟
- يا اخي تعا لهون لاسقيك طنجرة قهوة مو فنجان!؟
قلت له بذات البرود
- مع اني معتاد على قهوتنا. بس بشرب معكم. بعد شوي بكون عندكم.. خليهم يحضروا القهوة..!
كان واضحا من لهجة الرفيق الزعبي أن الجو عنده شديد التوتر. وان تقديراتي بأنه يعمل تحت ضغط شديد كانت في محلها. وهذا ما ساهم بتنامي احساسي بأن وراء الأكمة ما وراءها.
تعمدت أن أنهي فنجان القهوة وبعد عشر دقائق اتصلت باسماعيل لأخبره بأني جاهز للانطلاق إلى القيادة القطرية..
وصلت إلى مكتب "الرفيق" الزعبي كان المكتب مكتظا بالحضور. صافحتهم جميعا وأفسحوا لي مكانا بجانب الكرسي الذي يجلس عليه.
بمجرد أن جلست إلى جواره، أعتلى ناصية الكلام وقال لي:
-السيد الرئيس قرأ التحقيق في وقت مبكر من صباح اليوم واتصل بي فورا وكلفني بالتحقيق بالقضية بالسرعة القصوى لإعادة الحقوق لأصحابها قبل حلول موعد الاحتفالات بذكرى الحركة التصحيحية.
سألته:
وما هو المطلوب مني؟
قال:
- إن تطلعني على ما يتضمنه الجزء الثاني من التحقيق لأعرف الحقيقة كاملة.. ثم نقرر ماذا سنفعل!؟
قلت:
- يمكنك أن تطرح أسئلة محددة وانا ساجيبك عليها. أما إذا كنت تريد معرفة كامل التفاصيل المتبقية فعليك الانتظار حتى الغد حيث يمكنك الإطلاع عليها من خلال الجزء الثاني الذي سانشره غدا..
قال:
- وهل ستنشر الجزء الثاني؟
قلت:
-بكل تاكيد!
قال بثقة:
- لا ضرورة لنشره. ارسل السائق ليحضره الى هنا لكي نطلع عليه سوية ومن ثم نحل المشكلة..؟
قلت له:
- رفيق محمود الجزء الثاني سينشر غدا.
قال:
- انا لا أفهمكم انتم الصحفيون. الا تجرون تحقيقاتكم وتنشرونها من أجل أن نطلع عليها ونحل المشاكل التي تعالجها. إذن دعنا نطلع على بقية التحقيق ونحل المشكلة. وعندها لا يبقى أي مبرر للنشر؟!
قلت له:
- اسمح لي رفيق أبو مفلح لكي أوضح لك امرا. نحن ككل الصحفيين في العالم نكتب ما نكتب للناس. للرأي العام. للقراء. وإذا ما تفضلتم علينا وقرأتم. وحاولتم حل المشاكل المتضمنة في كتاباتنا - ونادرا ما تفعلون- فمرحى لكم.. ولكننا لا نكتب خصيصا لكم . نحن صحفيون يا رفيق. ولسنا مخبرين..!؟
 
"يتبع"