تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 78

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين".

ادى تميز الصفحات الثقافية في تشرين الى جعلها هدفا ومحجا لكثير من الشباب والصبايا الذين وجدوا بأنفسهم الكفاءة أو لم يجدوها لممارسة العمل الصحفي، سواء كانوا من العاملين في الجريدة أو من خارجها.
فقد طلب عدد لا بأس به من المحررين الذين يعملون في الأقسام الأخرى مني ومن المدير العام الانتقال للعمل في القسم الثقافي.
لم يتوقف الأمر على المحررين بل إن عددا مهما من العاملين في الاقسام الخدمية المرتبطة بأقسام إدارة التحرير قد سعى أو أبدى رغبته بالانتقال للعمل في القسم الثقافي. كان من بين هؤلاء مصححون لغويون وعاملون في الاستماع السياسي وفنيون وفنيات في الإخراج وفي التنضيد وحتى سكرتيرات وعمال مطبعة.
كان المدير العام رئيس التحرير يخبرني بين الفترة والأخرى بأن فلان أو فلانة طلب منه الانتقال إلى القسم الثقافي. أو أن فلان الفلاني اتصل به للتوسط من أجل نقل احد العاملين في الجريدة الى القسم. كان الأستاذ عميد يأخذ بعض الطلبات على محمل الجد وخاصة تلك التي تقدم من الزملاء المحررين الذين يعملون في الأقسام الاخرى، ولكنه لم يكن ينظر بجدية لغالبية الطلبات التي تقدم له شفاها من الاقسام الخدمية الأخرى.
بالنسبة للزملاء الصحفيين العاملين في الاقسام الاخرى. والذين أبدوا رغبتهم بالانتقال إلى القسم، فقد تمكنت من اقناع رئيس التحرير بأني لم اجد فيهم زميلا يملك من التميز ما يجعلني أوافق على نقله إلى القسم، وفي حال ظهر فساوافق على انتقاله. بل أنا من سيطلب نقله.
أما فيما يتعلق بالموظفات والموظفين الاداريين والفنيين الذي أبدوا رغبة بالانتقال إلى القسم فقد أبديت سلفا رفضي قبول أي منهم تحت أي ظرف من الظروف.
قد يجد البعض أن موقفي هذا يعكس تطرفا وقسوة في التعامل مع الآخرين. ولكن الذي حصل فيما بعد يؤكد اني كنت محقا في اتخاذ مثل هذا الموقف.
فلم تمض الا عدة سنوات حتى انتقل عدد لا بأس به من الموظفين الاداريين والفنيين إلى أقسام التحرير. دون أن يمتلكوا اية مواصفات تؤهلهم لممارسة العمل الصحفي إلا مواصفات الوسطاء وأصحاب النفوذ. وهذا الأمر لم يؤثر سلبا على مستوى الجريدة فقط، بل كذلك على سمعة الجريدة والمهنة بشكل عام. حيث عزز وجود هؤلاء في أقسام التحرير النظرة السلبية إلى مهنة الصحافة باعتبارها مهنة الذين لا مهنة لهم.. ولا مصداقية.!؟
لم تتوقف محاولات الانتقال الى القسم من قبل بعض الزملاء وخاصة الحزبيين منهم.
لقد حاولت إحدى الزميلات وباصرار الانتقال إلى القسم عدة مرات ولم أوافق. ولكن وللمفارقة وليتم القدر مهزلته. فقد عينت بعد خروجي من الجريدة بفترة طويلة مديرا عاما ورئيسة للتحرير..!؟
كان من أهم إنجازات الزميلة رئيسة التحرير أنها وخلال فترة قصيرة تمكنت من إقصاء أغلب الزملاء المخضرمين واستبدلتهم باخرين من الهواة وعديمي الخبرة. كما تمكنت من القضاء على ما تبقى للجريدة من مصداقية. وفق ما رواه لي وما ذكره أغلب الزملاء في كتاباتهم في وقت لاحق..!؟
كان علي كذلك أن أواجه بشكل شبه يومي نوعين من الأشخاص المصرين على نشر كتاباتهم في الصفحات الثقافية. وهؤلاء يمكن تصنيفهم في قائمتين متلازمتين.
كانت القائمة الأولى تضم أشخاصا يعتقدون أنهم موهوبون وأنهم خلقوا ليمتعوا القراء بكتاباتهم الشيقة وبمواهبهم الفذة وأفكارهم العبقرية. وهم لا يمتلكون من كل ما ذكرت شيئا.
كان يمثل هؤلاء. شخص اسمه (و. د).
كان الرجل يطل عي بصورة شبه منتظمة بواقع مرتين في الأسبوع. كان يكتب مقالاته ونصوصه على ورق يشبه ورق كيس الاسمنت. دلالة على احترامه الشديد لمقالاته !؟
بقي صاحبنا فترة طويلة يزودني بابداعاته التي لم أتمكن من نشر واحدة منها. كان أصغر نص له يحتوي على ثلاثين خطأ املائيا أو قواعديا. أما الصياغة النصية فكانت مأساة لا يشعر بها الا كل من يعاني من قراءتها. والحقيقة اني جهدت لاقنعه أن يجرب أن يصبح مطربا او راقصة. أو وزيرا او عضوا في مجلس الشعب. ولكن جميع محاولاتي باءت بالفشل.
كذلك جهدت لأعرف من وضع في رأسه فكرة أن يكون كاتبا أو صحفيا. ففشلت في هذه أيضا.
في أحد الأيام نفذت قدرتي على المناقشة وانتهى مخزوني من الصبر الجميل والقبيح. واستحلفته بصابر فلحوط وعلي عقلة عرسان وأحمد أبو موسى وكل الغوالي أن يعفيني من زياراته. وان يبحث عن مستقبله الإبداعي في مكان آخر.
غادر الرجل ولم يعد لزيارتي. ولكن وبعد عدة أشهر اكتشفت سره وسبب إصراره المستميت على الكتابة.
لقد علمت انه أصبح عضوا أصيلا في اتحاد الكتاب العرب.. بينما بقيت انا حتى الآن خارج عضوية هذا الاتحاد العظيم..!؟
اما القائمة الثانية من الكتاب الذين كانوا لا يكلون ولا يملون من زيارتنا على الرغم من أننا لم نكن نستقبلهم بالحفاوة التي كنا نستقبل بها بقية كتابنا. فكانت تضم "كتابا" كنا نصفهم ايامها بأنهم مصابون بأسهال ثقافي مزمن. وكان خير من يمثل هؤلاء (ع. ف)!؟
كان الرجل يستيقظ صباحا ويملأ حقيبته التي تشبه حقيبة المطهرين بكل ما لذ وطاب من المقالات
كان يمضي يومين في إعداد المواد والمقالات وليس في كتابتها. لم يكن يكتب إلا نادرا. ولكن إذا سألتم عن نوعية المواد التي يعدها. فيمكنكم أن تخمنوا ذلك وبسهولة تامة. فكل ما تذكرونه صحيح ويدخل ضمن "المينو" الذي يعده يوميا.
كان يعد موادا في الثقافة والسياسة والفنون بأنواعها وفي الرياضة والطبخ والتغذية والصحة والتربية وعالم الأطفال والمرأة والحب والجنس والأديان وعالم الحيوان وفي الأزياء.
كان يحمل الحقيبة المملوء بالمواد والمقالات المعدة ويقوم بجولة واسعة تشمل كافة الصحف والمجلات التي تصدر في سورية. بداء من الصحف اليومية الثلاثة البعث والثورة وتشرين ومرورا بمجلة المعرفة والاسبوع الأدبي والفنون المسرحية والسينمائية والتشكيلية ونضال الفلاحين والعمال وجيش الشعب والجندي والطلائع والشبيبة واسامة ويعرض محتويات حقيبته على رؤساء الأقسام في هذه الصحف كل بحسب اختصاصه. وإذا ما زاد لديه بعض المقالات فكان يرسلها إلى الصحف التي تصدر في المحافظات. واذا ما بقي لديه فائض فربما - وهذا مجرد تخمين - كان يوزعها على جرائد الحائط في المدارس المجاورة لبيته.
كان علي مواجهة هذه الظواهر وخفة بعض المتطفلين واستخفافهم بالصحافة وبالكتابة وبمحاولات تعيشهم على حساب الثقافة والصحافة. وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة مهنة كانت وما زالت تعيش في مهب الريح..
كان الكتاب والنقاد الذين يتعاملون معي يرسلون لي مقالاتهم في مغلفات مكتوب عليها. حضرة الأديب المبدع أو الأخ الكاتب الكبير تميم دعبول وغير ذلك من الألقاب المرتبطة بالأدب والأدباء مع إغفال كوني بالدرجة الاولى صحفيا. قبل أن أكون اديبا. وكان علي أن أدافع عن المهنة التي احببتها واخلصت لها فكتبت يوما زاوية قلت فيها ما معناه.
انا الموقع أدناه تميم بن عزت دعبول أقر واعترف أمام أمام القراء والزملاء بأني لم اقترف مهنة الادب حتى الآن. ولذلك فأنا لست اديبا كبيرا وعظيما. انا صحفي وانا فخور لاني احمل هذه التسمية. فأرجو أن تراسلوني تحت هذا المسمى.
أحب البعض أن يفسروا ما كتبته بانه اعتراف صريح مني بأني لست اديبا أو اني عاجز عن مقارعة الكتابة الأدبية. دون أن يخطر ببالهم اني كنت بهذا الاعتراف ادافع عن مهنة أو صنف إبداعي من طراز رفيع.. لا يجدر أن يحمل لواءه إلا من أحبه واتقنه. . وأنا أحببته. وما زلت مستعدا للدفاع عنه.!؟
مؤخرا. وبعد وفاة الصحفي الكبير رياض نجيب الريس قرأت انه كتب اعترافا شبيها باعترافي وصف فيها نفسه وافتخر بأنه صحفي مارس مهنة النشر. وليس غير ذلك.. وأنه أطلق على نفسه تسمية. "صحفي المسافات الطويلة".
اما انا فيكفيني أن أكون "صحفي المسافات القصيرة". وأفتخر!؟
الرحمة لروحك رياض..
 
"يتبع"