تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 80

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
 
هبطت الطائرة في مطار قرطاج تونس. كان في استقبالي أحد العاملين في وزارة الثقافة التونسية الذي اصطحبني إلى فندق "du lac" وهو فندق مصنف ضمن الفنادق ذوي النجوم الأربعة ومبني على شكل هرم مقلوب. ومقام في منطقة جميلة وقريبة من المطار كما أنها قريبة من "نهج الحبيب بورقيبة" أهم شارع في العاصمة التونسية، الذي يفضي في نهايته إلى احياء تونس القديمة..
كان الاسبوع الثقافي السوري يتضمن معرضا فنيا وعروضا سينمائية وموسيقية يحييها المنشد حمزة شكور وفرقته ومناشط ثقافية أخرى كتلك التي اعتدنا مشاهدتها في أغلب الأسابيع الثقافية العربية.
كنت على معرفة واطلاع على ما سيقدمه الاسبوع للتونسيين. ولذلك لم أجد نفسي منشغلا بفعالياته كانشغالي بالتعرف على تونس بقدر ما يسمح به الوقت والظروف.
كانت تونس معروفة لدينا في المشرق العربي من خلال سمعتها وكونها وجهة سياحية الأوروبيين ومن خلال النشاطات الثقافية المزدهرة فيها. ولكن الرئيس التونسي الأشكالي الحبيب بورقيبة كان أكثر المروجين لتونس في العالم العربي والغربي.
بدأت شهرة بورقيبة عام 1965 عندما ألقى خطابه الشهير في الضفة الغربية أمام مجموعة من المواطنين الفلسطينين. أي قبل أن تحتلها إسرائيل.
دعا بورقيبة في خطابه الفلسطينيين والعرب الى القبول قرار الأممي 181 والقاضي بتقسيم أرض فلسطين التاريخية بين الفلسطينيين واليهود. كما دعا العرب إلى التخلي عن سياسة. "نريد كل شيئ أو لا شيئ". لأنه رأى ان الظروف والمعطيات الدولية تسير في غير صالح العرب والفلسطينيين. ونصح باعتماد سياسة خذ وطالب فهي برأيه أجدى وأكثر واقعية.
كل هذا حدث قبل ان يهزم العرب في حرب حزيران، تلك الهزيمة المروعة التي حاولوا التخفيف من مأساويتها فدلعوها وأطلقوا عليها اسم "نكسة".
قابل العرب حكاما وشعوبا طروحات بورقيبة بالاستنكار واعتبروها خيانة لهم وللقضية الفلسطينية. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الجميع يرمون الرئيس التونسي بالجمرات في كل الأمكنة وكل الأوقات. وخارج مواسم الحج والعمرة.
بعد أشهر معدودة من الخطاب ولسنوات عدة أصبح بورقيبة نجما سياسيا تتناوله وسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية "من الفجر إلى النجر". خاصة بعد أن راحت الحكومات القومية والتقدمية تنظم حينها مسيرات جماهيرية كبرى تجوب شوارع عواصمها للتنديد به وبدعواته "المشبوهة والانهزامية".
بقي بورقيبة طيلة عقد كامل عرضة للشتائم والسباب والاتهامات بالخيانة العظمى والوسطى والصغرى. من قبل وسائل الإعلام والمواطنين العرب حتى بعد هزيمة حزيران وحتى قيام انور السادات بزيارة القدس عام 1977 ومن ثم توقيعه اتفاقية كامب ديفيد عام 1978.
حلت اتفاقية كامب ديفيد بردا وسلاما على الحبيب. بعد ان تفرغ الجميع للهجوم على "الخائن الثاني" أنور السادات. والذي تحول إلى هدف مشروع للإعلام العربي والجماهير العربية الغاضبة التي بدأت تتناسى خيانة بورقيبة وتركز اهتمامها على خيانة السادات.
لم يكتف العرب بالهجمات الإعلامية والمسيرات المنددة بالسادات فقد اجتمعوا على عجل، وقرروا قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع مصر. كما قرروا نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة.
ولكن إلى اين؟
إلى تونس!؟
نعم،، إلى تونس عرين "الخائن الأول" للقضية الفلسطينية. وعميل الغرب والصهيونية العالمية. وهكذا ومنذ عام 1979 أصبحت تونس عاصمة الامة العربية. وأصبح بورقيبة زعيمها بعد أن كان "قوادها"!؟
في عام 1975 نشبت ما أطلق عليها تسمية الحرب الأهلية اللبنانية. لم يبق أحد في لبنان لم يشارك في الحرب. .القوى الموصوفة بالانعزالية. والمنظمات والاحزاب المنضوية تحت اسم الحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية على اختلاف توجهاتها. كلهم شاركوا بالمذبحة.. كانت حفلة جنون بتمويل ومشاركة مباشرة أو غير مباشرة من جميع الدول العربية..
في عز الحرب الأهلية وفي عام 1982 قام الإسرائيليون بغزو لبنان ووصلوا إلى بيروت حيث كان في استقبالهم على مداخلها "الخائن" السابق و"المقاوم" الحالي ميشيل عون!؟
ولكي يجبر العرب إسرائيل على الانسحاب من بيروت واستجابة لشروطها. ولكي يباشروا بإيجاد حلول للحرب الأهلية اللبنانية. وجدوا ان عليهم اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. ومن ثم من لبنان!؟
رست السفن في ميناء بيروت. حملت ما يمكن حمله من قادة ومناضلين فلسطينيين وبقية أحلام، وابعدتهم قدر الإمكان عن الأرض التي يناضلون لاستعادتها.. ولكن إلى أين؟
- اكيد تعرفون مثلي.. إلى تونس مرة أخرى!؟
كان عليهم ان يستعيدوا أرضهم الفلسطينية، انطلاقا من منتجعات الحمامات وسيدي بوسعيد!؟
وهكذا أصبحت تونس عاصمة "الخائن الأول" للقضية الفلسطينية مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية وللجامعة العربية وأصبح وزير خارجية تونس الشاذلي القليبي أمينا عاما للجامعة العربية. وصار يترأس اجتماعاتها ويدير شؤونها ويتحدث باسمها. ليسجل التاريخ بأن قيادة الأمة العربية انتقلت بموافقة زعمائها من "خائن إلى خائن"!؟
منذ تلك الأيام أدركت أن من يسخر منا ليس القدر.. بل ان زعماءنا وأولياء أمورنا بحكم الأمر الواقع.. هم وحدهم عصبة الساخرين!؟
في هذه الأجواء وصلت إلى تونس. كانت وسائل الإعلام حينها تهتم إلى حد ما بهذه التطورات وبالمشاكل العربية التي بقيت تونس لعقود بعيدة عنها. ولكن قضايا أخرى كثيرة كانت تشغل النخبة والمجتمع. وتحظى باهتمام يفوق كثيرا ما تلاقيه الشؤون العربية من اهتمام..
كان التوانسة مهتمون أكثر بالانتاج والنشاطات الثقافية. وبتطوير السياحة. والبحث عن مصادر جديدة للدخل. والأهم من كل ذلك كانوا مهتمين بعلمنة القوانين وتحديثها، والتي كان الحبيب بورقيبة اول من تصدى لها وخاض معتركها. وكانت وما زالت حتى الآن الماركة المسجلة باسمه.. على الصعيد العربي على الاقل..!؟
 
"يتبع"