ملف "ترجمات أدبيّة بتاء تأنيث سوريّة.. الواقع والتحدّيات"

- أمل فارس: اقتراب من الكتابة الإبداعيّة
- فيروز نيوف: تجربتي في الترجمة أقرب إلى الهواية
- يارا شعاع: الترجمة فنّ
- سيزار كبيبو: شحّ مصادر البحث العربيّة
- نور حريري: أقرب إلى عالم الفلسفة
 
يُجمع أهل الاختصاص من كتّاب ونقّاد وناشرين وقرّاء على أن نقل الأعمال الأدبيّة العالميّة إلى اللغة العربيّة، سواء القديم منها أو المعاصر، يُعدُّ من أصعب أنواع الفعل الأدبيّ.
المتأمّل في مدونة ترجمات الأعمال الأدبيّة العالميّة في العقد الأخير يلاحظ وجود عدد من المترجمات السوريّات اللاتي اخترن نقل روائع من هذه الأعمال وغيرها من الكتابات الفكريّة والفلسفيّة، الأمر الذي دعانا إلى التواصل مع عدد من هؤلاء المترجمات اللاتي يبدعن في ترك بصمات أنثويّة بحرفيّة عالية في عالم بقي لسنوات طويلة حكرًا على المترجمين من الرجال، لسؤالهن عن بدايات اشتغالهن في حقل الترجمة، وما هي المعايير التي تدفع بهن لاختيار الأعمال الأدبيّة التي يشتغلن على ترجمتها؟ وما هي المشكلات التي يواجهنها، وكيف تغلبن عليها، وأوجدن لأنفسهن موطئ قدم في حقل الترجمة؟ وما هي شروط نجاح ترجماتهن لما يخترنه من نصوص؟ أخيرًا؛ ما هي آخر الأعمال الأدبيّة التي نقلنها من لغات العالم إلى لغة الضاد؟ فكان هذا التحقيق.
 

أوس يعقوب

 
 
نيوف: تجربتي في الترجمة أقرب إلى الهواية
تحدّثنا المترجمة فيروز نيوف عن بداياتها في حقل الترجمة قائلة: نشأت في أسرةٍ مثقفة، مزدوجة اللغة (عربيّ - روسيّ) تحبّ المطالعة، ويعتبر الكتاب جزءًا من حياتها. ومنذ طفولتي الباكرة وإلى اليوم أقرأ باللغة الروسيّة، مع أني تعلمت في المدارس العربيّة من الصف الأوّل الابتدائيّ وحتى تخرجي من الجامعة في بلدي سورية كطبيبة أسنان عام 1995.
في الثالثة عشرة من عمري ترجمت قصّة للأطفال نشرتها في مجلة "أسامة"، التي تصدر عن وزارة الثقافة في دمشق. وقبيل إنهاء المدرسة الثانوية نشرت في الصفحة الثقافية بجريدة "الثورة" السوريّة اليوميّة، عشر قصص صغيرة من قصص الكاتب الروسي الساخر ميخائيل زوشنكو. إن لغة زوشنكو وتعابيره الشعبيّة تحتاج إلى معرفة عميقة باللغة الروسيّة، وإلى كثير من الحذر في ترجمتها. كانت تجربة مبكرة وأوّليّة، طبعًا. كنت أختار ما أحبّه وأعتبره ممتعًا ومفيدًا.
يعود الفضل في اهتمامي بالترجمة إلى تشجيع من والدي الدكتور نوفل نيوف. فهو متشدّد في قواعد اللغة العربيّة وأسلوبها، كما في قواعد الترجمة وأصولها. وهكذا باتت الترجمة تحدّيًا مشوِّقًا وعادة في حياتي اليوميّة.
وعن المعايير التي تدفعها لاختيار الأعمال الأدبيّة التي تشتغل على ترجمتها؟ تجيب نيوف: بما أن اللغتين العربيّة والروسيّة لغتان أمّ بالنسبة لي، أدرك جيدًا أن الترجمة تتطلب الفهم قبل كلّ شيء. وهذا أوّل تنبيه إلى أن الترجمة الحرفيّة تقتل المعنى والأسلوب أيضًا. كنت أتساءل دومًا كيف نترجم هذا التعبير من الروسيّة إلى العربيّة، أو بالعكس، كيف ننقل هذه الفكرة من العربيّة إلى الروسيّة بطريقة توصل المعنى إلى القارئ بيسر، وبأمانة أيضًا.
أعتقد أن من أصعب الأمور في الترجمة هو نقل الفكرة بشكلٍ دقيق وأنت تحافظ على أسلوب المؤلف من دون ترجمة حرفيّة. وفي نفس الوقت من دون زيادة أو نقصان، أو تلخيص، كما يحدث عند بعض المترجمين أحيانًا. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار خصوصية كلّ من اللغتين في بناء الجملة، وفي النحو والتعابير والأمثال ... إلخ.
بالطبع، أنا لا أستطيع أن أُنَظِّر للترجمة، أو أن أخوض بعمق في مشكلاتها، لأني لست مترجمة محترفة، بمعنى الاحتراف. فأنا طبيبة أسنان، وقد شغلني عملي في اختصاصي عن السير في هذا الطريق، وحدّ من عدد الأعمال التي ترجمتها.
أمّا عن المشاكل التي تواجهها في حقل الترجمة، فتقول: تواجهني أحيانًا مشكلة إيجاد الترجمة المناسبة لبعض التعابير الشعبيّة والأمثال. فهنا لا يكفي الفهم فقط، وأشعر بأن ثقافتي التراثيّة بالعربيّة ليست كافية. لذلك أقول إن تجربتي في الترجمة أقرب إلى الهواية ممّا هي إلى الاحتراف. لكني في الحقيقة أحبّ الترجمة وأراها جزءًا من شخصيتي. وأردفت: ترجمت ونشرت في بعض المجلات قصصًا، منها قصتان لأحد أعلام الرواية التاريخية في المرحلة السوفيتية هو فالنتين بيكول. طبعًا، أعماله الأدبيّة مختلفة كلّ الاختلاف، باللغة والمفردات والأسلوب، عن قصص زوشنكو. وكذلك ترجمت عدّة قصص أرمنيّة عن اللغة الروسيّة. بعدها نشرت في (الهيئة السوريّة العامّة للكتاب، وزارة الثقافة في دمشق) "سلسلة لليافعين" ترجمة لرواية ألكساندر غرين «الأشرعة الحمراء». وكذلك في الهيئة نفسها ترجمت جزأين من رباعيّة ألكساندر فولكوف الشهيرة «ساحر مدينة الزمرد».
وفي عام 2007 ترجمت رواية مكسيم غوركي «اعتراف. أين الله؟»، ونشرتها في "دار التكوين" في دمشق.
تتابع نيوف حديثها: كُلّفت بترجمة عدّة سيناريوهات سوريّة إلى الروسيّة لصالح "المؤسّسة العامّة للسينما" في دمشق. ومرّة أخرى كانت تجربة مختلفة ومميزة مع ترجمة اللغة اليوميّة باللهجة العامّيّة وما فيها من عبارات ودلالات ومعان تتطلب كثيرًا من الدقّة والمعرفة. كما كنت تعاقدت مع شركة أدوية في دمشق ترجمت لصالحها نشرات طبية من الروسيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة. وهذا مجال آخر، مليء بالمصطلحات العلميّة الأقرب إلى عملي في مجال الطب.
طبيعيّ أن من أهمّ مقوّمات النجاح في مجال الترجمة هو الإلمام الجيد باللغتين عبر القراءة والمتابعة، وقراءة الكتاب بلغته الأصليّة قبل الشروع بترجمته.
الترجمة عملية معقدة، وهي في نفس الوقت ممتعة تدفع نحو البحث والتأمل في أشياء ومواضيع قد لا تخطر على البال، وأنت تقرأ مجرّد قراءة لا تحتاج إلى التفكير بلغة أخرى.
ختامًا، في نظري على المترجم أن يوسع دائرة قراءته باللغتين، وأن يعمل دائمًا على إغناء قاموس مفرداته، والبحث عن المصطلحات الجديدة، والمرادفات لكثير من المفردات الجديدة التي تظهر كلّ يوم في حياتنا المعاصرة، حياة عصر السرعة والتطورات التقنية المذهلة.
وبسؤالنا عن جديدها من الترجمات التي تعمل عليها الآن؟ أجابتنا: اشتغلت مؤخرًا على ترجمة الجزء الأوّل من رباعيّة روائيّة، وذلك بتكليف من دار نشر عربيّة مرموقة. أنتظر أن يصدر العام القادم، وأتمنى أن يكون عملًا ناجحًا ويلاقي أصداء جيدة، كما لاقت ترجمتي لرواية مكسيم غوركي «اعتراف. أين الله؟» التي أعيدت طباعتها عدّة مرّات.