السلطان عبد الحميد 1876 - 1909
د. عبد الله حنا:
حياته
هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية. والده السلطان عبد المجيد، الذي سعى للإصلاح وسار في اتجاه الأخذ من منجزات الحضارة البورجوازية الأوروبية محاولا تحديث الدولة. وعبد الحميد سار على نهج مخالف لنهج أبيه وعمه السلطان عبد العزيز وقبلهما السلطان محمود.
أمه الجارية الشركسية تيرمزكان جاءت من قفقاسيا مع قافلة السبايا، وبِيعت للقصر السلطاني، ودخلت بين زوجات السلطان عبد المجيد عام 1839، وحازت بفضل زواجها من السلطان لقب قادين.
ولد عبد الحميد عام 1942 وتوفيت والدته ولم يتجاوز من العمر سبع سنوات فقامت برعايته الجارية بيرستون قادين إحدى زوجات والده السلطان عبد المجيد. فنشأ، كغيره من السلاطين في أحضان الجواري ملازما للخصيان ومعزولا عن المجتمع في القصور السلطانية.
والملاحظ، حسب الروايات، ان ابن القصور الشاب عبد الحميد لم يشتط كأكثرية أبناء السلاطين نحو اللهو ومعاقرة الخمرة ومعاشرة الجواري، بل سار في طريق معتدل واستعان على نوازع الشباب بالكتمان. وهذا مما ساعده في إخراج سيرته وكتابتها بصورة تخالف سيرة معظم أبناء السلاطين.
***
ما ذكره عبد الحميد عن طفولته يلقي ضوءا على حياته. جاء في مذكراته:
"أكثر من مرة تعرّضت للانتقاد بسبب عيشي عيشة انزواء أحسست فيه دائما بالراحة... كان أبي يعاملني معاملة سيئة وقاسية لأسباب أجهلها. لم يعطف عليَّ سوى أخي مراد المسكين... وعندما اعتليت كرسي الحكم وجدت نفسي محاطا بأناس يريدون تقييدي بشباك من المؤامرات والدسائس... انني رجل لين طيب القلب كما أن حياتي العائلية تثبت أنني رحيم القلب ومحتاج للحب والعطف."....
هذه السيرة التي رواها عبد الحميد عن نفسه تتقاطع مع تقييم هرتزل، الذي صدّه عبد الحميد ورفض عروضه في الاستيطان اليهودي في فلسطين، جاء في يوميات هرتزل:
"انطباعي عن السلطان انه رجل ضعيف وجبان ولكنه طيب القلب. لا أعتبره داهية ولا صارما، بل سجينا تعيسا ترتكب بطانة طمّاعة رديئة سيئة السمعة باسمه أقبح رجس".
ويروي أنصاره انه كان يمارس الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الاسلامية والبعد عن المسكرات والميل الى العزلة. ويلفت النظر اهتمامه بالنجارة التي تعلمها من النجار الالماني كارل باتسن، وكان له مشغلا للنجارة في حديقة القصر.
تعلم عبد الحميد بالإضافة الى التركية اللغة العربية والفارسية. وهناك اقوال كثيرة حول مدى تعمقه بالعربية وفهمه لاسرارها..
***
وكان متدينا – حسب المظاهر وما أشيع عنه - وسط جو خلاعي منفلت يعيشه أمراء القصر السلطاني بين الجواري والغلمان. كما كان حريصا – حسبما أشاعه عبد الحميد عن نفسه – على أداء الصلاة في أوقاتها، لا يشرب الخمر، ويمنع تدخل النساء في السياسة".
وكان للمنجمين تأثير كبير على عبد الحميد، وكان يدس الطلاسم في معطف أخيه مراد. وجاء يوم أنبأته العرافة الغجرية بأنه سيعتلي العرش، فأخذ يستشير العرافين والمنجمين، الذين أجمعوا على انه سيصبح سلطانا، فاشتدت به رغبة الحكم بعد هذه النبؤات.
***
تزوج السلطان عبد الحميد الثاني، مثل أغلب اسلافه و أخلافه من نساء الجواري، فمنهن من حصلت على رتبة "قادين أفندي" ومن حصلت على رتبة "إقبال"، ورزق من اثنتي عشرة منهنّ بسبعة عشر مولودا ثمانية منهم ذكور وتسعة إناث. ولم يُرزق بمولود بعد خلعه عن العرش. وعندما نُفِيَ السلطان 1909الى سالونيك بعد إزاحته عن العرش، صحبه نساؤه وأربعة من الخصيان وتسعة من الخدم وولديه الصغيرين.
الحلقة القادمة: بقية حياة السلطان عبد الحميد