من الذاّكرة 87 و 88

عبد الكريم الناعم:
من الذاّكرة 87
من أسماء الفنّانين الذين عرفتْهم حمص على مدى أكثر من ستّين عاماً، فيما أخمّن، فهد الجنّيّات أبو سعيد، وقد اشتُهر بالعزف على آلة الكمان، ولعلّ اللاّفت في ذلك أنّه كان يعمل بستانيّاً، وكان من المألوف أن نرى بعض العازفين في ذلك الزمن أصحاب مصالح، أو باعة، أو حرفيّون، فلم تكن ثمّة دراسات أكاديميّة للموسيقا، لأنّ هذا جاء فيما بعد، وكان محصوراً في دمشق وحلب، أمّا في حمص فمعظم العازفين الذين تميّزوا كانوا يتعلّمون من بعضهم بعضاً، ولعب في هذا المجال نادي دوحة الميماس دوراً مميَّزا بالنسبة للبعض، كما لعبت دورها نواد أخرى،
كان أبو سعيد الجنيّات من البارعين في العزف على آلة الكمان، وعند هذه النقطة لابدّ من الإشارة إلى الموهبة، فقد تجد عازفيْن على آلة واحدة، ولكنْ حين يعزفون ارتجالاً فإنّ واحداً منهم يتميّز على الآخر برهافة عزفه، وبقدرته على التأثير أكثر من صاحبه، على الرغم من أنّهما قد يقسّمان من مقام واحد، فهذا أكثر حنانا، وأرهف شفافيّة، وأقدر على تحريك المشاعر، والسرّ لا يكمن في الدراسة أو في العلم، بل في "الموهبة"، والموهبة أمر عصيّ على التعريف، فأحد النقّاد الماركسيّين، مع إيمانه بماركسيّته، وهو " كاجان"، يقول ما معناه "يبدو من أجل ان تكون شاعراً يجب أن تُولَد شاعراً"،
اللاّفت أنّ فهد الجنيات كان أميّاً، لا يعرف القراءة والكتابة، وكان يعتمد على ذاكرته في حفظ الألحان، والأدوار، والطقاطيق، والسماعيات، وبحسب ما رواه لي، وكان يعمل ذات سنة على مسارح بيروت، وصادف أن زارها الموسيقار الشهير محمد عبد الوهاب، وقد دُعي الجنيّات إلى إحدى السهرات، وكان نجمها عبد الوهاب ذاته، وقد أُعجب بعزفه، وبحساسية أنامله، وحين علم أنّه أمّي ازداد عجبه، وكان إذا أراد أن يسال عنه يقول:" فين الرّاجل الطابعة"
من مضحكات ما رواه، أنّه اضطرّ للسفر إلى دمشق لأمر ضروريّ، وبينما كان متّجهاً باتجاه سوق الحميديّة صادفه مطرب كان يسمّي نفسه كريم العراقي، وأنا شهدتُ هذا المطرب على أحد مسارح سينمات حمص، وهو يعرف الجنّيات جيدا، فقد عزف مع فرقته أكثر من مرّة، وحين رآه يلفّ على رأسه ( سُلكاً) منقَّطا بالأسود، وينتعل حذاء ذا ساق طويل من الكاوتشوك، وشروال عامل بستنة كاد أن يشكّ فيه، فاقترب منه بحذر، وقال له:" ألستَ أبو سعيد"، فحبكتْ مع أبو سعيد وقال له بطريقة مريبة:" إي.. انا هو، واليوم أفرجوا عني من مستشفى المجانين"، فاضطرب العراقي وخاف، وكاد يُغادر مذعورا، فقهقه أبو سعيد واستوقفه، وأعاد الترحيب به من جديد،
ذات سهرة في بيت صديق لي صار في ديار الحقّ، التقى أبو سعيد الجنيّات، وعازف الكمان عبد المعين مرزوق، فأمسك أبو سعيد بالعود، ورافقه مرزوق على آلة الكمان، وكانت سهرة امتدت حتى مشارف الفجر، وكان المطرب فيها أبو سعيد، وما يزال التسجيل بحوزتي على شريط كاسيت،
كان صوته رفيعاً بعض الشيء، لا يخلو من أنوثة، وهذا في عرف البعض ممّا تُمدَح به أصوات الرجال، ويمتلك جواباً واضحاً، وقراراً واضحا، ويغنّي بحساسية عالية، فغنى الموال السبعاوي، والقصيدة، والطقاطيق، وما أدري كيف هبطت على الجميع حالة من الصفو، والتجاوب، والسماع الرزين، وقلّما كان يغني في المحافل، وكان يكتفي بالعزف على الكمان،
واجه صعوبات ماديّة في حياته، وهو الذي يعرفه محبّو الطرب من جميع الطبقات في حمص، وضايقته حاجيات الحياة، فتوسّط له المرحوم مروان السباعي، وكان ضابطا معروفا في أوساط السوريين، وكاتب رواية، .. توسّط له فعُيِّن جنائنيّاً في إحدى الحدائق الموجودة في وسط المدينة، وهي حدائق تابعة لبلديّة حمص، فاستقرّ حاله بعض الشيء،
ما أدري لماذا أشعر بضرورة أن تلتفت جهة ما، لتوثيق ما بقي ممّا سُجّل في تلك الأزمنة، أقول ذلك وانا لا أمل لي في تحقيقه، بل هي مجرّد رغبة مشروعة، أتمنّى لو تجد من يتبنّاها، ويكون قادراً على تنفيذها، لأنّ ثمّة أزمنة أخرى نعيشها تبدو مقطوعة عمّا سبقها، وفي ذلك ما فيه من الغُبن...
العروبة الالكترونيّة في 28/11/2020
 
***********

من الذّاكرة 88
أزمة الازدحام للحصول على الخبز، أعاد لذاكرتي رحلة الرغيف في حياتنا، ففي طفولتي أربعة أنواع صافية من الخبز، الخبز الذي طحينه القمح، وهذا، في أربعينات القرن الماضي، لم يكن متوفّرا للكلّ، بل قلّة هم الذين خبزهم من ذلك الطحين، بسبب الفقر الذي كان سائداً، لاسيّما في الأرياف، وفي المساحة الريفية التي احتضنت طفولتي، كان الخبز مزيجاً من القمح والشعير، وبعضه من الشعير الخالص وخبزه عسير على البلع، وثمة خبز الذرة البيضاء، وهذا أشدّ سطوة من غيره، لاسيّما بعد أن يبرد إذ يتحوّل إلى كتلة صلبة، وكم أسالت من دماء اللّثّات، وخبز الذرة الصفراء وله نكهة خاصة، وكان محسوداً الذي يكون خبزه نصفه من طحين الحنطة والنصف الآخر من طحين الشعير،
في تلك الأزمنة، أيام الحرب العالميّة الثانية، جاءت مساعدات من الطحين، سمّوها طحين أوسترالي، ورغيف خبزه شديد البياض، ولكنّه ينهكك في المضغ، فهو يحتاج لمضغ طويل، وتشعر وكأنّك تمضغ قطعة من الكاوتشوك،
كان هذا في الريف، حيث في كلّ بيت تنّور لخَبْز العجين، أمّا اليوم فلم يبق من التّنانير حتى في الأرياف إلاّ تلك التي تبيع ما تخبزه لبعض المسافرين، باعتباره شيئا شبه مفقود، وحين نزحنا إلى مدينة حمص، كان كلّ سيدات البيوت يعجنّ العجين في بيوتهن، ويخمّرنه، ويقطّعنه إلى قطع كلّ قطعة بحجم رمّانة، ويُحمَل إلى الفرن، وهناك ينتظر دوره، إذ يرقّه الفرّان، ويحوّله إلى شكل مستدير، ويضعه في بيت النّار، وكلّ خَبْزَة ولها أجرتها، بحسب عدد الأرغفة، وإذا كان الفرّان صديقك قد يقمّر لك بعضها،
في تلك الأيام كنّا نطلب من الفرّان أن يقمّر لنا عدداً من الأرغفة، لندعو بعض الأصدقاء لتناول طعام الإفطار والذي كان لدى الغالبيّة، يتألّف من الشنكليش، والمكدوس، والزيتون، والزيت والزعتر، فهذه المواد أساس في مؤونة البيت، المؤونة التي تبدأ كلّ عائلة بالإعداد لها منذ أوّل أيلول، تحسّباً لمجيء الشتاء، ويسبق ذلك عصر البندورة وتجفيفها في الشمس، لأنّ مشتريات الأطعمة من الدكاكين كانت قليلة ونادرة، وفي حمص مثَل يعبّر بدقة عن حال الذين عليهم شراء حتى الخُبز، ولا يحسبون حساب المونة، فيقولون عنه:" يا ويلاه، بيتو بالكري، وخبزو بالشري"، أي بيته بالأجرة، وخبزه يشتريه من الفرن،
أسرد شيئا من هذا لعلّ أبناء أبنائنا يطّلعون على صيغة ما كانت عليه أجيالٌ سبقتْهم، لا لكي يقتدوا بذلك الزمن، بل ليتمكّنوا من تجاوز ما يعترض سبلهم من عقبات، وهي عقبات كبيرة، بل وكؤودة، ومُقلِقة، وفكّ أقفالها ليس بأيديهم،
اليوم نزدحم على أبواب موزّعي الخبز، وآخر نبأ سمعته هو أنّ بيع الخبز سيكون بواسطة البطاقة الذكيّة،!!
أنا أعلم أن الغاية التقليل من الهدر، فثمّة طحين يُهرَّب خارج الأفران، وثمّة خبز يُباع بأسعار عالية لمربّي الأغنام، وثمّة من هو مستعدّ لبيع وجدانه وضميره بأيّ حفنة من المال، أعرف هذا، ولكنّني أعرف أيضا أنّ هذا ليس كلّ الحلّ، بل الحلّ كلّه في محاربة الفساد، فبائعو الطحين لغير أغراض الخبز يجدون مَن يتغاضى ربّما لقاء ( حَفْنة)، ومسرّبو الخبز لمربّي الحيوانات لهم أيضا من يتستّر عليهم، والمفزِع أنّ المتستّر هو من المكلّفين بالمراقبة والضبط،
صرنا في زمن العيش فيه مرير على تسعين بالمائة من أبناء سوريّة، والعشرة بالمائة الباقية، لم تحصل على ثرواتها بالطرق الحلال المشروعة، بل أتقنتْ فنّ التقرّب والسمسرة، ومن أين يؤكل الجسد كلّه لا الكتف فقط، وكان لها مَن يحميها، ولماذا لا يكون، و"الحاج قاسم" موجود في كلّ زاوية،
أيّها الذين أُنيطت بكم مسؤوليات خدمة هذه الشرائح الاجتماعيّة، اتّقوا الله في أهلكم، وأقاربكم، وأصدقائكم، وأبناء بلدكم، اتّقوا الله في دماء الشهداء، وحاجات المعوزين، وأرامل وأيتام مَن استُشهد، فقد بلغ السكّين الحلقوم...
العروبة الالكترونيّة نشرت في 5/12/2020