صافيتا مدينة صفاء الحياة.. تاريخها في العهد العثماني

مفيد عيسى أحمد- فينكس- خاص:

كتابان هامان يتناولان تاريخ صافيتا، الكتاب الأول بعنوان (تاريخ صافيتا في العهد العثماني؛ 1516 – 1918) للباحث منير عبد الحميد صقر. الكتاب الآخر بعنوان (مقاطعة صافيتا؛ التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي؛ 1790- 1832) للأكاديمي الباحث بسام عيسى القحط، سنتناول في هذه المقالة الكتاب الأول، على أن يتبع ذلك الكتاب الثاني في مقالة لاحقة.

يبدأ صقر كتابه بمقدمة يبين فيها دوافعه للبحث و أهميته، الظروف و الصعوبات التي واجهته، و حيثيات عمله كتأمين مصادر معلوماته من الوثائق و غيرهما، حيث اعتمد أحياناً على الحجارة المنقوشة و شواهد القبور للتأكد من تاريخ ما، إلى الاتصال بمن لديهم معلومات عن موضوع بحثه، من الأكاديميين و أساتذة الجامعات إلى أولئك الذين ما زال في ذاكرتهم تحمل معلومة ما عن تلك الفترة.

قُسّم الكتاب إلى تسعة عشر فصلاً, الفصل الأول منها تضمّن لمحة عن العثمانيين، استعرض فيها قيام الدولة العثمانية في أربعين صفحة، حيث تناول مراحل الدولة العثمانية من النشوء و حتى الأفول و بعض شخصيات هذه الدولة و النشاطات الأهم لها. الفصل الثاني خصّصه للمحة تاريخية عن صافيتا، تسميتها عند الشعوب التي تعاقبت عليها، موقعها، و أوضاعها في المراحل التاريخية، من مرحلة ما قبل الميلاد إلى ما بعد الميلاد، انتهاءً بالعصر الحالي، و قد أورد أن السريان سمّوها (صفاء الحياة) و كانت تدعى زمن الأشوريين (النسيم العليل).

تناول في الفصل الثالث نظامي الالتزام و الإقطاع الذي يقسم إلى تيمارات و زعامت، و التيمارت بدوره يقسم إلى التيمار الزراعي و المدني و المختلط، تم استبدال هذا النظام بنظام الالتزام الذي يقوم على شراء ضرائب المقاطعة من قبل من يقع عليه الالتزام. و هذا النظام انتهى بدوره مع بدء الإصلاحات.  

الفصل الرابع كان موضوعه الملكية و الأرض، و قد استعرض فيه أنواع ملكية الأرض في ظل نظام الالتزام، و الأرض قبل عصر التنظيمات، و في عصر التنظيمات. كما ذكر طرق استثمار الأرض في المقاطعة، و أنواع المزروعات فيها. الغلال و المواشي، و تطرّق إلى الوقف و أنواعه.

في الفصل الخامس يدخل الكتاب في التاريخ السياسي لمقاطعة صافيتا، فيبدأ من حكم آل عسّاف التركمان الذين كانوا أول من حكم طرابلس و توابعها بعد انتصار العثمانيين في معركة مرج دابق، أعقبهم آل سيفا الذين استمر حكمهم للمقاطعة حتى نهاية الإقطاع الميري، و بداية نظام الالتزام.

الفصل السادس موضوعه التزام آل زيدان لمقاطعة صافيتا اعتبراً من عام 1641 و حتى 1834, و آل زيدان هم آل شمسين أنفسهم، و قد تناول ذلك بالتفصيل، مبيناً حيثات الالتزام لكل فترة.

خصّ الفصل السابع بالحملات العسكرية على مقاطعة صافيتا، و قد بيّن في بداية الفصل صعوبة الاحاطة بكل الحملات التي قامت بها السلطة العثمانية أو ولاتها على المقاطعة، لذلك اختار فترة محددة بحكم الشيخ صقر المحفوض و ابنه الشيخ دندش صقر، من الواضح أن السبب الرئيسي لأغلب هذه الحملات هو الرغبة في الاستقلال عن السلطة العثمانية و ذيولها، قسّم صقر الحملات إلى حملات على بلاد صافيتا و أخرى عابرة لهذه البلاد متجهة نحو أهداف أخرى.

تضمّن الفصل الثامن كلمة عن المسلمين العلويين، تاريخهم و توزعهم، المعارك التي شاركوا بها، و منها معارك المماليك ضد الصليبيين. فنّد صقر في هذا الفصل الكثير من الاتهامات الظالمة و المغرضة بحق العلويين. أماّ الفصل التاسع فقد خصّصه لشخصية هامة و مؤثرة في تاريخ المقاطعة هو الشيخ خليل النميلي، الذي قام بدور توفيقي و خيري إضافة إلى دوره كرجل دين تقي.

صافيتا في عهد إبراهيم باشا، هو موضوع الفصل العاشر، و هو موضوع مهم، حيث دخلت قواته المقاطعة بعد أن هزمت قوات المقاطعة بقيادة صافي صقر، المتحالفة مع قوات الولايات الأخرى، اللاذقية و حلب و حمص، في معركة طرابلس سنة 1832. الفصل الحادي عشر كان لعودة العثمانيين إلى صافيتا، بعد رحيل إبراهيم باشا، و قد استعرض الإصلاحات التي أجراها العثمانيون عقب عودتهم، و التي مهّد لها إبراهيم باشا بإصلاحات سبقتها شملت النواحي الاقتصادية و الاجتماعية، التعليمية و السياسية، و كان له فضل تأسيس أول مطبعة في المنطقة، في لبنان تحديداً عام 1834، ذكر في هذا الفصل أنّه في عام 1841 أمر السلطان عبد المجيد بتشكيل مجالس إدارة و فصل في الدعاوى في الولايات و المقاطعات، و تسمية المقاطعات أقضية، أي أن صافيتا صارت قضاءً بموجب ذلك منذ ذلك التاريخ، غير أنها فعلياً لم يستقر اسمها قضاءً إلا في عام 1851، و كان أول مدير لقضاء صافيتا هو محمد عارف السيّد.

الفصل الثاني عشر خصه صقر بشخصية معروفة في تاريخ المنطقة، و ما زالت موجودة في الذاكرة الشعبية، هو إسماعيل خير بك، الذي أعطاه السلطان عبد الحميد لقب (ميرميران) أي أمير الأمراء و تم تعيينه مديراً لقضاء صافيتا كمكافأة له لإخماده عدة تمردات على الدولة العلية آخرها في أرمينيا. و الذي قدّم على والي دمشق المشير خورشيد باشا طلباً بالإستقلال الذاتي لجبال العلويين، و قد رفض خورشيد ذلك، و أرسل الطلب إلى الباب العالي، الذي اتخذ قراراً بضرورة القضاء على إسماعيل باشا.

قضاء صافيتا في عهد الإصلاحات هو مضمون الفصل الثالث عشر, و فيه يورد الباحث المراسيم الإصلاحية الصادرة عن السلطان عبد المجيد، خط كولخانة عام 1839 و الذي نصّ على إصلاحات لاقت ترحيباً من الجميع، حيث انعكست على سوية المعيشة و الأمن و العدالة، أعقبه خط التنظيمات الخيرية الذي صدر في شباط عام 1856، و قد أكّد على المساواة المدنية و القانونية لجميع رعايا الدولة، و على مساواتهم في الحقوق و الواجبات. أما في عهد السلطان عبد العزيز فقد صدر مرسومان هما:

المرسوم الأول: خط ولاية سورية سنة 1864، و فيه يحدد ولاية سورية التي تشكلت من ولايتي دمشق و بيروت و متصرفية القدس، لكن ذلك لم يبق ثابتاً، حيث انفصلت متصرفية القدس سنة 1874 و صارت لواءً مستقلاً، ثم ولاية بيروت 1887. تضمن المرسوم الهيكلية الإدارية للولاية و اللواء و القضاء.

أمّا المرسوم الثاني فهو خط الإصلاحات و التنظيمات الجديدة، و قد صدر في كانون الثاني عام 1874، أكّد على خط كولخانة و خط التنظيمات الخيرية و أهم ما جاء فيه، هو فصل السلطة القضائية عن التنفيذية، جيث فصلت محكمة التمييز عن وزارة العدل،

و في إطار الإصلاحات صدر للنظام الإدارة المالية في السلطنة، و الذي قسمت الأموال التي يجب تحصيلها من قرى قضاء صافيتا إلى ضرائب هي: الوبركو و البدل العسكري، الأعشار و الايرادات الرسومية. و نضّمن الفصل شرحاً للنظام القضائي في قضاء صافيتا.

توّسع في شرح الضرائب و الرسوم في الفصل الرابع عشر إضافة إلى المكاييل و النقود التي كان معمولاً بها في المقاطعة، و قد ورد ذلك بالتفصيل، معززاً شرحه بصور للعملة الذهبية و الورقية.

في الفصل الخامس عشر تناول الباحث المستوى التعليمي في صافيتا. مستفتحاً الفصل بقوله " بشكل عام امتاز العهد العثماني بانعدام الثقافة، و تدني مستوى المعرفة اللغوية و العلمية، حتى أن قواعد اللغة العربية كانت شبه مجهولة في مقاطعة صافيتا و غيرها من المقاطعات"

لا بد من الإشارة إلى أن كلمة امتاز، غير مناسبة هنا، فمن غير المعقول استخدامها لما هو سلبي، قسّم صقر موضوع الفصل إلى مرحلتين: قبل عصر التنظيمات و عصر التنظيمات. فقبل عصر التنظيمات كان التعليم يتم عند رجال الدين ( الكتاتيب ) اسلاميا و عند الخوري أو الكاهن مسيحياً، حيث لم يكن في المقاطعة مدارس، أما في عصر التنظيمات فقد استمر التعليم كما قبلها في (الكتاتيب) مع بعض المدارس الخاصة، حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث افتتحت في عام 1913 عدة مدارس في الديكيش و الصفصافة و الطليعي.

الفصل السادس عشر خصصه للصناعة الحرفية في صافيتا، مستعرضاً الصناعات التي كانت سائدة: صناعة الحرير و السجاد، الفحم و البارود، العرق و الكلس الحي، الزيت و المطاحن، النحاسة و الصياغة، الحدادة و النجارة.

الفصل السابع عشر تناول فيه الآثار في صافيتا، ذاكراً القلاع و الحصون، الكنائس القديمة.

في الفصل الثامن عشر قدّم مختصراً لبعض عائلات صافيتا، عائلة بيت شمسين، الأكثر حضوراً في تاريخ المقاطعة، حيث حكمتها لمئتي سنة، ثم عائلة الشيخ معلا حمين، و عائلة بيت رسلان، ثم عائلة الشيخ إبراهيم مرهج، و عائلة الشيخ ياسين (بيت الشيخ يونس)، عائلة الشيخ اسماعيل أوبين، و عائلة الشيخ يوسف مي.

عائلة ميخائيل الحداد، و عائلة اليازجي و غيرها.

الفصل التاسع عشر شمل عدداً من صور الوثائق، فقد دعّم بحثه بعدد واف منها، منها وثائق التزام للمقاطعة و دعاوى قضائية و حجج ملكية و غير. و قدّم شرحا مختصراً لكل وثيقة.

هناك ملاحظات لا بدّ من ذكرها، و هذا أمر لا يخلو بحث و لا كتاب منه، و هي:

ضعف الإسناد في بعض ما ورد من أحداث، كتاريخ مجيء بيت الحداد إلى صافيتا، و لجوء بشير جنبلاط إليها. و رغم أن الباحث اتبع منهج بحث واضح، غير أنه يترك لدى القارئ بعض الإرباك لتداخل التواريخ و الأحداث، فلا تسلسل زمني يحكمها في بعضها فقط، و الأمر الأهم هو غياب التحليل اللازم للجدث التاريخي.

الكتاب هام غزير المعلومات، ناتج جهد كبير و طويل و بحث دقيق عن المعلومات، و هو الأشمل و الأوفى الذي تناول تاريخ تلك الفترة إلى الآن، حرص الباحث فيه على ألا يغفل كل جوانب الحياة في صافيتا.