الآراء المختلفة في السلطان عبد الحميد

الدكتور عبد الله حنا:
أول ما يلفت النظر وجود رأيين متناقضين حول "ورع" السلطان عبد الحميد و"تقواه".
فرجال الدين، الذين "أنعم" عليهم السلطان وحاشيته وجهازه الحاكم كانوا يملأون الدنيا خطبا بورع عبد الحميد وتُقاه وقيامه بالشعائر الدينية ووصل الأمر ببعضهم أن عدّوه "قطبا" من الأقطاب.
وقد نقلت مجلة المنار 1906 عن رسالة من عالم عثماني جاء فيها أن خطباء الجمعة في الاستانة ومعلمو دروس الديانة يسمون عهد السلطان عبد الحميد "العصر الحميدي الأنور". كما يشير هذا العالم العثماني في رسالته إلى صدور كراس برخصة نظارة المعارف سنة 1322 جاء فيه:
"الله واحد محمد رسوله حقا سيدنا حضرة السلطان عبد الحميد خان الثاني خليفته المقدس ومليكنا المحبوب نطيع الله ونبينا وسلطاننا ونتمسك بما أمروا ونجتب ما نهوا عنه".
ويعلق صاحب المنار الشيخ رشيد رضا على ذلك بقوله: "...فعاودني عند قراءة ما تقدم الوجوم... فبعد أن كان المسلمون في اول نشأتهم يؤمرون بالتوجه إلى الله وحده وتمييزه عمّا سواه بالإخلاص إليه أخذوا في هذا العصر يُعلِّمون ابناءهم التوجه إلى ثلاثة". ويشير الشيخ رشيد انهم نسبوا إلى ابن عباس حديث: "لكل نبيّ رفيق في الجنة ورفيقي فيها آل عثمان الغازي عبد الحميد خان".
والواقع أن السلطان عبد الحميد استطاع في أيام عزّه كسب ولاء جماهير غفيرة من المؤمنين. وقد لعب الشيخ أبو الهدى الصيادي دورا هاما في استمالة أصحاب الطرق الصوفية إلى جانب عبد الحميد. وأنشأ السلطان معهدا دينيا لتخريج الدعاة المسلمين، انتشر خريجوه في أنحاء البلاد الاسلامية يتغنون بتقى السلطان وورعه. وفي الوقت نفسه استطاع السلطان عبد الحميد ان يحجب عن علم الناس حياته الخاصة في قصر يلدز، فلا ينشر بين الناس سوى أخبار حياته الدينية. فكان يحضر صلاة الجمعة بموكب فخم، ويوزع الصدقات علانية، ويكرم الوعّاظ والمرشدين، ويتبرع للمدارس والفرق الدينية أينما كانت وكيف كان لونها، مسبغا بكل هذا على سلطته الزمنية رداء قدسيا، معلناً انه أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين, وظلّ الله في الأرض...
***
وبالمقابل كان الأحرار ينشرون في السر أخبار حياته الخاصة وراء جدران قصر يلدز وسط محظياته وخليلاته وجواريه, ويبالغون في وصف الحفلات الاستهتارية، حتى اصبحت هذه الحياة الخاصة منبعا لكثير من الكتاب الخياليين يستمدون منها مادة لروايات مجونية غاية في الخلاعة".
إلى جانب هذه الأراء المختلفة في عبد الحميد نجد آراء تضع السلطان عبد الحميد في مساره وموقعه التاريخي، الذي عاشه وتأثر به. وننقل من هذه الآراء ما كتبه المؤرخان المسلمان السنيان نادر العطار وساطع الحصري.
كتب المؤرخ السوري نادر العطار التقويم التالي:
"كان عبد الحميد من طراز خاص لم يسرف في اللهو بشكل سافر كبقية الأمراء الفتيان... فتح عينيه وأذنيه جيدا فسمع وراى الحوادث التي اودت بسلفيه، وعاصر المؤامرات السياسية وتفهمها فتكوّنت نفسيته الخاصة التي قادت الإمبراطورية بعد ذلك أكثر من ثلاثين سنة. غرست التجارب في عبد الحميد الحسد والغيرة وعلّمته الحيطة والحذر، فاحتال لاحتجاز خصومه، وبذر الشقاق بين اصدقائه ومقربيه، وأحب التزلف والمراوغة فقرّب إليه المداهنين والمتملقين، الذين يساعدوه على اصطناع الجد والتظاهر بالنبل والشرف، بينما كان في السر يتقلب في أحضان الحسان، ويملأ خزانته الخاصة وجيوب من حوله بالأموال والمجوهرات.
الشخصية الثقافية الثانية التي وضعت عبد الحميد في مكانه هي ساطع الحصري الحلبي المولد وممن يتقنون اللغة التركية وشهد آواخر العصر الحميدي كتب:
"...ان هذه الأحداث المتتالية أثّرت في نفسية عبد الحميد تأثيرا عميقا وجعلته يخاف على عرشه, وعلى حياته خوفا مرضيا, وحملته على اتخاذ سلسلة طويلة ومعقدة من التدابير لمقابلة جميع حالات الخلع والاغتيال. مثلا عندما اغتيل ملك الصرب مُنعت جميع الجرائد عن ذكر الاغتيال واجُبرت على الكتابة بان موت الملك كان طبيعيا بسبب المرض". ويمضي الحصري قائلا: "ان الافراط في الخوف والحذر حمل عبد الحميد على اصطناع شبكة دقيقة وواسعة من الجاسوسية اطلق عليها اسم "الخفية"... وكل واحد من كبار رجال المابين (البلاط الملكي) كان مرجعا ورئيسا لجماعة من الخفيات... نفقات القصر والجيش المرابط حول العاصمة وحرس السلطان والخفية استهلكوا قسما كبيرا من واردات الدولة... الاستبداد الحميدي ادى الى استشراء الفساد في جميع الأمور والميادين".
صاحب كتاب الدولة العثمانية يذكر عام 1908 ان الكلمات الممنوع تداولها في الصحف أيام عبد الحميد هي:
"القانون الأساسي (أي الدستور)، الخلع وما اشتقّ عنه، الجمهورية، الديناميت، الثورة، الإنصاف، الحرية، العدل أساس الملك، والظلم مرتعه وخيم، الحرية منتهى غايات الأمم، حرية التعليم، حرية التأليف والقراءة، حرية الجمعيات".
وكان من الطبيعي ان يتخذ السلطان عبد الحميد سلسلة من التدابير لحماية نفسه من الاغتيال أو الخلع. وفرض رقابة صارمة على الصحف، التي مُنعت من ذكر كلمات معينة مثل: ثورة، اضراب، خلع، موت, ملك، اغتيال ملك. وكان الرقباء على الصحف حريصون على التدقيق في كل كلمة تُكتب حتى يمنعوا أي احتمال للتأويل. وأصبح التوظيف في الدولة لا يعتمد على الكفاءة بل على المقدرة في التفنن في مدح السلطان والتملق لحاشيته والمهارة في التجسس وكتابة التقارير. وأصبحت الأوسمة والامتيازات تباع على أيدي السماسرة والوسطاء لمن يدفع الثمن. وهكذا تحولت المراكز الحساسة في الدولة إلى بؤر للراشين والمرتشين.
وعلى الرغم من ذلك فإن مناصري عبد الحميد ينفون التهم الموجهة للسلطان وهم يرددون: "ليس هناك شخصية في التاريخ الاسلامي المعاصر لقيت من الظلم والاجحاف والإفتراء بقدر ما لقيت شخصية السلطان عبد الحميد. فقد صُوّر من قبل أعدائه اليهود والأرمن والاتحاديين بصورة السفاح". وهدفهم تشويه تاريخ المسلمين.. صنع تاريخ جديد.. تنشئة أجيال من المسلمين لا يحملون من الاسلام إلا اسمه.
***
الحلقة القادمة
مع صعود الاسلام السياسي
عودة الروح إلى تاريخ السلطان عبد الحميد
والمبالغة في "حسناته"..