رواية (في حضرة باب الجابية، طفل البسطة) الأغنية كمكافئ جمالي للحدث و معادل عاطفي لتقلبات الحياة

مفيد عيسى أحمد- خاص- فينكس:  

أخبرني أحد الأدباء النقاد، أنه أنهى قراءة رواية (في حضرة باب الجابية، طفل البسطة) -الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب، للكاتب أيمن الحسن- مساءً، و في صباح اليوم التالي قصد باب الجابية، بحثاً عن مطعم دعدوش ليتناول صحن فول فيه.

إنها رواية المكان، و المكان هنا ليس الجغرافيا و لا العمران، المباني و الشوارع و المتاجر، إنه البيئة الحيوية، أي أنه ميدان الحياة ومعتركها، وهو ليس واحداً، هو أمكنة كميدان للحدث الروائي، حيث نجد إضافة لباب الجابية الحي الدمشقي العتيق، البيئة الفراتية الشرقية، و القروية الشمالية.

كما أنه أمكنة في محتوى المكان الواحد الأساسي، باب الجابية، فأغلب شخصيات الرواية حملت بيئتها معها بسماتها الاجتماعية و الثقافية، مما أتاح للمتلقي أن ينتقل في مضمار المكان الرئيسي إلى مكان كل شخصية روائية، هذا لا يتناقض مع حالة بعض الشخصيات التي صارت كأنها من أصل المكان, مكوّن من مكوناته المتحركة، و بقيت رمزاً حياً لبيئتها الأصلية، كأبي طنوّس و طفل البسطة.

المدى الزمني للرواية لم يحدد بتاريخ رقمي، بل بمعطيات أخرى تبدأ من إهداء الكاتب للرواية، حيث أهدى العمل لزمن ارتفعت فيه صيحة (ارفع رأسك يا أخي العربي عالياً) و هي مقولة تنسب لزمن عبد الناصر، أي أنه زمن الأحلام المجهضة و الشعارات الحماسية و المقولات الكبيرة. الطرف الآخر الذي أهدى الرواية له، هو روح الفنان فريد الأطرش الخالدة، و هي روح رومانسية حالمة، روح لا يؤطرها زمن، فالفن الأصيل عابر للزمان و المكان.

هذه الازدواجية الزمنية قائمة على زمن محدد بأحلام أجهضها الواقع السياسي و الاجتماعي، و زمن قائم على الإحساس الجمالي بالفن لا حدود له، و هو يشكل تعويضاً عن الخيبة الناجمة عن الزمن الأول، ملاذاً للخاسرين المتعبين، و العاشقين الحالمين.

الرواية مزدحمة بالشخصيات - كما باب الجابية تماماً- و هو ما فرض على الكاتب بناء سردياً يناسب حضور هذه الشخصيات، حيث أفرد مقاطع خاصة لشخصيات معينة منها: صدّاح، ضبع الليل، السيدة، الخوجا، أفلاطون الفرنسي، الأخرس، بينما حضرت الأخرى وفق صيرورة الأحداث و في سياق السرد، دون أن يفرد لها حيزاً خاصاً، ما فرض عليه التناوب و الانتقال في الأحداث في المقطع الواحد، وفق علائقية الأحداث ببعضها، أو دون أن تكون هناك علائقية واضحة.

هذا يعني أنه ليس هناك مسار خطي للسرد، فالكاتب ينتقل بقفزات مفاجئة أحياناً بين زمن و آخر، و بين مكان و آخر، بالتالي بين حدث و آخر، شخصية و أخرى.

و هو ما يتطلب من المتلقي يقظة لمتابعة التطور و التبدّل الدرامي للأحداث. فالرواية تسير بخطوط درامية متوازية حيناً و متقاطعة حيناً آخر، و هي بمجموعها تشكّل مشهدية درامية تتصف بالحيوية و التشويق.

أغلب الشخصيات جوانية، لم يسع الكاتب لوصفها، إلا في علة ما أو سمة تؤثر على تصرفات الشخصية و تجعل لها علامة خاصة، فليس هناك شخصية تحضر بالفيزكس التقليدي لها. القارئ هو من يحدد فيزكس الشخصية في مخيلته، بناء على وضعها الاجتماعي و بيئتها، دورها في الحياة و الرواية. هذه الشخصيات ليست حيادية رمادية، لكل منها لونها و طابعها الخاص بمحدداتها النفسية و الاجتماعية، دوافعها و تصرفاتها. كلها شخصيات حاملة للدهشة، و نماذج تختلف كل منها عن الأخرى، ما يجمع بينها أنها من القاع الاجتماعي، من البسطاء المحرومين، العاملين بمهن شاقة، و أنها شخصيات من لحم و دم، بأحلامها و انكساراتها، بكرهها و حبها، حتى بموتها.

ثمة خطاب يقوم على أحداث الرواية، يشبه المرافعة التوضيحية و المخاطب به (حضرة المدير) هذا الخطاب يشعر القارئ بوجود شاهد دائم على الأحداث، هذا الشاهد ذو علاقة ملتبثة بالروائي، فهل هما واحد أم أنه منفصل عنه؟ و إذا كانا واحداً فهذا في الزمن الراهن، زمن الراوي و ليس زمن الحدث، لأن الروائي في زمن الحدث لا بد أن يكون طفل البسطة، هذا يحيلنا إلى الروايات القائمة على السيرة الذاتية، فإن كانت هذه الرواية من روايات السيرة الذاتية، فهي لا شك قد نجحت ببراعة بتحقيق معادلة جمالية صعبة، بألا يكون وجود الروائي كشخصية في روايته عبئاً على النص، و عائقاً فنياً يؤثر على سوية الرواية.

لغة الرواية سلسلة مناسبة للشخصيات و لزمن الحدث و مكانه، بعيدة كل البعد عن اللغة القاموسية، و الحوار أتى بارعاً غير متكلف، حوار الحياة الحقيقية.

ما يلفت النظر في هذه الرواية، ذلك الحضور الكبير و الواسع للأغنية، و هو ما يمكن اعتباره في جانب منه تناصاً مع النص الغنائي، فقد وظّف الكاتب عدداً كبيراً من الأغنيات العربية في السياق النصي للرواية، فنجد الأغنية في الحوار، الديالوج، وفي المونولوج، نجدها مؤازرة لحيثيات الحدث، و منعكساً للحالة النفسية للشخصيات، تتساوق مع ما تمر به، كما في حالة عائشة مع أغنية (أنا و شادي غنينا سوا) للسيدة فيروز، و التي تعبّر بها عن حبها للأستاذ، فالغناء في كثير من المقاطع يشكّل مكافئاً جمالياً للحدث.

و قد تكون هذه الرواية هي أكثر رواية عربية، عملت على التناص مع النص الغنائي، و على توظيف الأغنية في سياقها السردي، و ربما أسرف الكاتب في ذلك حتى طغت الأغنية في بعض المقاطع على النص السردي.

ما يميّز هذه الرواية عن غيرها من الروايات التي تناولت شريحة العمال و البسطاء الكادحين في سبيل الحياة، لقمة العيش، أنها لم تحمّل هذه الشريحة وعياً زائفاً، في سبيل مقولات سياسية و اجتماعية، و لم تقع في مطب الشعارات و المقولات الفارغة.

غاية الرواية الجيدة و الجميلة أن تقدّم لك بيئة مغايرة أو معروفة، بشكل و مضمون جمالي. و قد نجحت هذه الرواية كل النجاح في ذلك، لقد قدمت لنا بيئة نعرفها لكننا كأننا نعرفها من جديد، قدمتّها بمزيد ممن الدهشة و الجمال.

أعادتني الرواية إلى أيام كنت أمر في باب الجابية إن كان مشياً أو في باص مدحت باشا، تخيلت تماماً مكان البسطة، و كيف يجلس أبو طنوس، و أين ينتحي طفل البسطة، و أظن أني رأيت ضبع الليل يوماً ما، أماّ أولئك العمال البسطاء المنهكون، فقد كنت أراهم كلما مررت، و ما زلت إلى الآن لكن بعين أخرى.