حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البريطاني (إدريان كوبر)- الحلقة الاخيرة

■  الحلقة الأخيرة  ■

 
                       □  الحلقة الرابعة والعشرون ( 24 )  □ 
 
                                  من عرض وتلخيص كتاب :
 
                                     [  حقيقتنا المطلقة  ] 
 
                           [  الحياة و الكون و قدر الإنسان  ]
 
                                                                       ●  تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
 
                      ■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد ) 
 
                           { يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
 
                                   في ( 113 ) فصلاً
                                    و مقدّمة و خاتمة
 
                       في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
 
                                            الجزء الثالث
                                      كيفَ تتحكّم بِقَدَرِك
 
 
      ■  الحب الخالص و النقي يمتلك أقوى مستويات الذبذبات و الطاقة ، و أعلى درجات القوة في الكون برمّته ، و في كافة فضاءات الحياة و الحقيقة.
       من دون قوة الحب الخالص ، الطاغي ، ما كان بإمكان الكون بمجمله أن يكون موجوداً في المقام الأول.
      و لو تم سحب الحب الخالص من التداول ، لانهار الكون في لحظة. ■
 
      ■  لقد خلق الرب للكون برمته ، بكل فضاءات الحياة و الحقيقة فيه ، انبثاقاً من الحب الخالص و النقي ؛ و بالتالي ، يُعتبر الحب الخالص و النقي أعلى و أسمى تعبير إلهي عن الرب. ■ 
 
     ■  و الآن ، ما يبقى هو تلك الثلاثة : الإيمان  و الأمل  و الحبّ .. و الأعظم من بين هذه كلّها هو  الحبّ . ■
 
------------ 
 
                                        الفصل العاشر بعد المائة
                                            االخدمة الإيثارية
 
أحد أهم جوانب التطور في كافة فضاءات الحياة هو تقديم الخدمة و المساعدة و توفيرهما للآخرين من دون التفكير بأية مكافأة، أو الحصول على رضى الذات مقابل ذلك. 
الخدمة الإيثارية أساسية جداً من المنظور الفردي، و كذلك، من منظور العنصر البشري كله، و من دون ذلك لا يمكننا أن نحقق أي شكل من أشكال التطور الحق. و من الضروري تقديم الخدمة الإيثارية و توفيرها انطلاقاً من رغبة حقيقية و عميقة في مساعدة الآخرين.
الكائنات الداخلية التي تعيش في فضاءات الحياة الطيفية و الذهنية و السماوية و الكونية منخرطة بصورة مستمرة في مجل خدمة البشرية و ذلك من خلال تقديم خدماتها بصور إيثارية ؛
فالداخل دائماً ما يمد يد المساعدة للخارج و ذلك من أكثر الفضاءات الداخلية عمقاً و هي الأكثر قرباً من المنبع أو العلة الأولى، أي الرب، وصولاً إلى الكون المادي و عالم المادة؛ و هذا هو منطق التطور في الكون بمجمله.
 
يرافق ذلك أن كائنات الفضاءات الداخلية تتمنى بشدة الارتقاء لأولئك الذي يعيشون في المستويات الخارجية للكون إلى المستويات الداخلية ليشاركوهم تلك المتعة التي خبروها في فضاءات الداخل.
في عالمنا المادي ثمة حقيقة مؤسفة و لكنها واقعة و تتمثل في أن العديد من الناس اليوم يتمنعون عن تقديم يد المساعدة للآخرين من دون أن يحصلوا مقابل ذلك على مردود حسّي ملموس غالباً ما يكون على شكل أموال، هذا مع وجود الاستثناءات بالطبع.
 
تتضمن الخدمة الإيثارية تقدم الإنسانية جمعاء و كذلك الحياة بكافة أشكالها. و كما أن المقيمين في فضاءات الحياة الداخلية يساعدون من هم في الخارج أي في العالم المادي فإن على المحظوظين بالمقابل مساعدة أقرانهم الأقل حظاً في العالم المادي.
إن السلام الذي يسود في العوالم الطيفية الداخلية التي ينتقل إليها معظم الناس بعد موت الجسد المادي، عائد إلى أن كل شخص في الفضاءات الداخلية للحياة بغض النظر عن مستوى الكثافة و الذبذبات التي يتسم بها أي من هذه العوالم يعيش أساساً على نفس المستوى من التنبيل و التقدم و المعتقدات، حيث لا يوجد قادة أو زعماء و لا توجد وظائف أو أموال أو مصالح ذاتية أو جشع، لأن الجميع هناك يعملون سوياً بمنطلق الكل في واحد ، روحي لفائدة الجميع من حولهم، و غالباً ما تكون أيضاً لصالح من ما زالوا يُقيمون على الأرض.
 
غير أن الذين عاشوا على الأرض حياة مُشبعة بالأنانية و الجشع و البخل و المادية الفجة و اللا مبالاة بالآخرين من حولهم، أو أسوأ من ذلك، سينتقل كل شخص منهم إلى عالم يُشبه تماماً الحياة المادية التي عاشها على الأرض. 
 
ربما تماثل العوالم الطيفية الخارجية هذه نموذج "جهنم" في المصطلح الديني؛ فهي عوالم يسود فيها الجشع و البخل و الأنانية، و لو أن الناس في المحصلة سيتعلمون عاجلاً أم آجلاً دروسهم و كذلك عدم جدوى شخصياتهم الأنانية، حيث يمكن أن يتقمصوا بعدها من جديد حياة مادية أخرى على الأرض ليكون ممكناً تطبيق الدروس التي تعلموها أو قد يتطور البعض منهم نحو العوالم الطيفية الداخلية الأكثر سلاماً و تناغماً حيث يساعد الجميعُ الجميعَ من دون أن تراود أياً منهم فكرة الحصول على مكافأة أو أية منفعة أخرى جراء ذلك إلى حين موعد التقمص التالي.
و أما من يعتقدون أن "الموت" سوف يحررهم من أساليبهم و أفعالهم ضمن العالم المادي، فإنه من المستحسن أن يُعيدوا التفكير في هذا المعتقد لأن "الموت" لا يُحرّر أحداً من هؤلاء و هو ليسَ لهم مهرباً.
إنه عاجلاً أم آجلاً سوف يوضع كل شيء في "الميزان"؛ إلا أن ذلك لا يعني بالنسبة إلى "المتدينين" أن مجرد تدينهم غير المترافق بالإيثار سوف يضمن لهم مكاناً في "الجنة"..
 
يتضمن التقدم الحقيقي تَجاوُزَ الأنا و تنبيل النفس و الروح، و احترام كافة مظاهر الحياة و الحب الطاهر و الخدمة الإيثارية. 
لا أحد بالضبط يعلم متى تُختتم دورة حياته على الأرض، و متى سيكون بالتالي، موعد انتقاله إلى الفضاء التالي للحياة؛ و عليه، لا تجوز إضاعة أي وقت للتعلق بالحياة، و أن نحيا حياة متماهية مع المعرفة الكاملة للمعنى الحقيقي للحياة.
 
                            االفصل الحادي عشر بعد المائة
 
                                          دروس الحياة
 
يمكن تشبيه كل حياة مادية على الأرض بالانتساب إلى حضانة أطفال كونية، تتخللها عملية تعلّمٍ لا تُختَتَمُ إلا بعد الوصول إلى نهاية الدرب التي تأخذنا إلى خالقنا الرباني؛ و لكن من المهم معرفة أن الحياة تمثل عملية تعلّمٍ طويلة من لحظة الولادة إلى لحظة الانتقال إلى الفضاءات الداخلية للحقيقة ، حيث يمكن مراجعة كل الأفعال و الإنجازات التي تحقّقت في الحياة الماضية و التصالح معها.
و لهذا فإن من المهم جداً الإفادة من كل وضع يطرأ أمامك، و أن تستوعب معناه الحقيقي و تتعلم الدروس و تضع موضع التطبيق كل ما يتعلق بهذا الدرس.
 
تذكر أن "الأنا" سوف تستمتع في المشكلات كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فلا يجوز مطلقاً السماح لها بافتعالها.
و إذا عرف الإنسان تلك العظمة التي تنتظره في نهاية الدرب خارج دورة التقمص في حيوات أخرى على الأرض، ما كان له أن يؤخّر عودته و لو لحظة واحدة، و لكانت الرغبة قد أصبحت رغبة جامحة لتعلم تلك الدروس المادية في تلك الحضانة التي تُدعى الأرض ، و لكان الإنسان قد تقدم باتجاه تلك الروعة و العظمة و الفخامة التي تطبع الحقبة التالية من الحياة. 
 
و لا تنسى في هذا المُقام أن تتوجه بالشكر إلى نفسك الأعلى و لكل الكائنات العديدة غير المرئية الموجودة في الفضاءات الداخلية للحياة و التي تكرس ذواتها لما فيه خيرك و تقدمك انطلاقاً من الحب الخالص و النقيّ.
 
 
                               الفصل الثاني عشر بعد المائة
 
                                    الحب الخالص و النقي
 
الحب الخالص و النقي يمتلك أقوى مستويات الذبذبات و الطاقة، و أعلى درجات القوة في الكون برمّته، و في كافة فضاءات الحياة و الحقيقة. فمن دون قوة الحب الخالص، الطاغي ، ما كان بإمكان الكون بمجمله أن يكون موجوداً في المقام الأول. و لو تم سحب الحب الخالص من التداول ، لانهار الكون في لحظة.
 
لا يجب الخلط أبداً بين الحب الخالص و بين الحب العاطفي أو الانجذاب بين شخصين، أو الحب ذي الطابع الجنسي أو الشهواني، أو الحب بين أفراد العائلة الواحدة أو بين الأصدقاء ؛ أو حيث تستعمل عبارة "الحب" بشكل عشوائي كمؤشّر على الصداقة أو العاطفة أو تعبير عن مشاعر الود.
أفضل وصف للحب الخالص هو أنه حالة من الطاقة و الذبذبات و القوة الكبرى؛ و هو في المحصّلة أسمى تعبير عن الطاقة و الذبذبات المنبعثة من الطاقة الربانية الأسمى و الأعلى و الأكثر كمالاً، و هو ذبذبات تحمل على كاهلها كل أشكال الخلق ضمن الكون برمته، و التي لولاها لما كان هناك وجود لأي شيء.
 
و لكي نعيش بتناغم تام مع الكون و نتحول إلى قناة مفتوحة بصفتنا تعبيراً عن الرب، فمن الضروري أن نضبطَ وضعنا الشخصي ضمن سياق الحب الخالص، و ذلك لكي تستطيع أجسادنا و أنفسنا و أرواحنا أن تتحرك تناغماً مع نفس ذبذبات الطاقة الربانية.
و كذلك لكي نرفع من قدراتنا على التجلي و العلاج و القدرات الداخلية الأخرى إلى حدها الأقصى، ليس من الضروري، كي نعيش حقاً ضمن نطاق الروح، أن نعي وجود الحب الخالص، أو نزعم أننا نمارسه أو نعيشه، بل يجب أن يكون شيئاً نشعر به حقيقة، بصفته جزءاً لا يتجزأ من كينونتنا.
 
قد يزعم العديد من الأشخاص أنهم يمارسون الحب الخالص، و لكنْ هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة في واقع الأمر. 
الحب الخالص و الحقيقي ليس مجرد شعور بالرضى عن ذاتك و عن الآخرين، و هو ليس الحب الرومنسي الذي يمطر الجميع بالعاطفة الجياشة أو يُعبّر عنه بسلوك عاطفي، بالرغم من أن هذه المظاهر سلمية تماماً و غير مؤذية، حتى إنها تعتبر ظواهر إيجابية يعبّر عنها كلما اقتضت الحاجة ؛
بل هو حالة كينونية أعلى و أكثر سمواً و استمراراً و ليس مجرد كلمات أو عرض مؤقت أو نظري للعواطف أو الشغف. 
 
الحب الخالص أو النقي هو الطاقة بعينها؛ إنه الطاقة التي تقف خلف كل عملية خلق منذ البدايات الأولى. 
لقد كان خلق الرب للكون برمته، بكل فضاءات الحياة و الحقيقة فيه، انبثاقاً من الحب الخالص و النقي؛ و بالتالي، يُعتبر الحب الخالص و النقي أعلى و أسمى تعبير إلهي عن الرب.
 
أما أولئك الذين ينشدون السلام الكامل و التناغم التام مع الكون، و يتمنون خوض تجربةِ فاعليةِ هذه القدرات و جني ثمراتها إلى الحد الأقصى، فإن عليهم أن يبذلوا كل ما بوسعهم كي يصبحوا النواة الفردية للحب الخالص و النقي، بحيث يتحول هذا الحب إلى جزء لا يتجزأ من كينونتك.
و لا يكفي في عيش الحب الخالص النقي من قبل "أولئك" أن يكون ذلك الحب الذي يعبرون عنه بأنه حب "غير مشروط".
يبدأ الحب الخالص في التجربة الإنسانية بمبادرة صادقة تماماً و تتماهى مع الحياة اليومية و تتم ممارستها بالتزام حقيقي و كامل، إلى أن يتبدى هذا الحب في كل جانب من جوانب حياتك و كينونتك؛ أي جسدك و نفسك و روحك.
 
هنا من الضروري أن تدرك تماماً الطبيعة الحقة للحب الخالص وصولاً إلى النقطة التي تجعلك تشعر بأنها ليست شيئاً يجب عليك أن تفكر فيه شعورياً و حسب، بل أن تعتبره جزءاً لا يتجزأ من كينونتك بالذات.
أن تعيش الحب الخالص يعني أن ترى و تعشق الجوهر الرباني لكل شخص و كل شيء من دون استثناء، و أي ليس مجرد القوقعة السطحية التي تعتبر بمثابة الناقل المادي الزائل الذي نحسّ بالأمور المادية الدنيوية من خلاله، بل الروح الخالدة في دواخلنا، و التي هي بمثابة الصورة الحقيقية للرب. 
 
ليس باستطاعتك أن تكون انتقائياً في ما يتعلق بمسألة الحب الخالص. و عندما تبدأ بامتهان الحب الخالص عليك أن تصبّ كماً كبيراً من ذبذبات الطاقة العليا للحب الخالص النقي و الحقيقي داخل كل شيء و داخل كل شخص و في كل محيطك من دون تردد أو شرط أو تفكير. 
سوف تكتشف بسرعة أن الحب الخالص تمددي و انتشاري النزعة بسبب كونه جزءاً لا يتجزأ من العقل البشري الجمعي و سوف يبدأ الناس من حولك بتلقي ذبذبات الطاقة الصادرة عن الحب الخالص و تمثُّلِها، و التي يتلقونها منك، و سوف يجيبون عليها تبعاً لذلك.
سوف يبدو أن الناس من حولك أصبحوا أكثر سعادة و أكثر إحساساً بالسكينة و سوف يبتسمون أكثر و سيكونون في حال من الاسترخاء التام.
 
الحب الخالص ليس شيئاً تمتهنه بمجرد عاطفةِ أن تقول "أنا أمتهن الحب الخالص"، فالحب الخالص حرفياً هو حالة كينونة غير منفصلة عن نفسك و روحك و نفسك الأعلى و نفسك الربانية، و موصولة مباشرة بالذبذبات الأكثر سمواً و ربانية، و الصادرة عن المنبع أو العلة الأولى، أي الرب. 
الحب الخالص مُسقَطٌ من قبل الرب عبر نفسك الأعلى و عبر روحك الخالة وصولاً إلى جسدك المادي الذي ترسل أنت من خلاله ذبذبات إلى الآخرين.
 
إن أردت ممارسة الحب الخالص فسوف تكون الأيام الأولى لقيامك بها صعبة، و لكن على امتداد أسابيع و أشهر ستتحول هذه الممارسة إلى نهج ذاتي حياتي، و سوف لن ترغب مطلقاً في العودة مجدداً إلى ذبذبات الطاقة الأدنى في وضعك السابق.
ستصبح مع مرور الوقت أكثر هدوءاً و سعادة و أكثر سكينة، و سوف ينعكس كل ذلك على حياتك. 
و لكي نختتم هذا القسم إليكم هذه الفقرة المستلّة من "الكتاب المقدّس" الكورنيثي اليوناني. و بالرغم من أن هذه الفقرة مأخوذة من "نصّ ديني"، إلا أنها مع ذلك مناسبة تماماً.
 
" و الآن، سوف أريكم أكثر الدروب روعة.
 
" إذا تحدثتُ بلسان البشر و الملائكة، من دون أن أنضحَ حبّاً فلن أكون سوى صدى لرنين جرس، أو قعقعة صنج. إذا كنتُ أتمتّع بموهبة التّنبّؤ و سبرِ أغوار الأسرار و كل أشكال المعرفة، و إذا كنتُ أتمتع بإيمانٍ يمكن أن يحرّك الجبالَ، و لكنْ من دون أن أمتلك الحبّ، فأنا مجرد لا شيء. إذا وهبتُ كل ما أملك للفقراء و سلمتُ جسدي للهبِ النار، و لم أكنْ أملِكُ الحبَّ، فلن أكسبَ شيئاً.
" الحبُّ صَبور، الحبّ لطيف و رقيق. إنه لا يحمل في طياته ذرة من حسد؛ و لا هو يتفاخر. إنه غير متكبّر. إنه ليس وقحاً، فهو لا يبحث عن طرق لتضخيم ذاته، و لا يمكن إثارة غضبه بسهولة؛ و هو لا يُبقي بين ثناياهُ أية سجلّات عن الأخطاء؛ إنه لا يحتفي بالشرّ، بل يحتفي بالحقيقة. إنه دوماً في موقع من يوفّر الحماية، و إنه يمنح ثقته دوماً و هو متفائل دوماً، و مثابر دوماً.
 
" الحب لا يفشل مطلقاً. و لكن حيث تكون هناك نبوءات، فسيتوقّف الحبّ، و حيث تكون هناك ألسُنُ، فسيسود الصّمتُ، و حيث توجد المعرفة، فسيختفي.
" معرفتنا جزئية و كذلك نبوءاتنا. و لكنْ عندما يحلّ الكمالُ، سيختفي المنقوص.
" عندما كنت طفلاً، تحدّثتُ كما يتحدّث الأطفال. عندما أصبحت بالغاً راشداً، رميتُ الطرق الطفولية وراء ظهري. الآن، لا نرى إلّا ظلّاً باهتاً كما في المرآة، و بعدها سيمكننا أن نرى بعضنا وجهاً لوجه. الآن، أنا أعرف بشكل جزئيّ، ثم، و في ما بعد، ستكتمل معرفتي، حتى كما أنا معروف بالكامل.
" و الآن، ما يبقى هو تلك الثلاثة: الإيمان و الأمل و الحبّ. و الأعظم من بين هذه كلّها هو الحبّ".
 
------------
 
 
                                     الفصل الثالث عشر بعد المائة
 
                                            حقيقتنا المُطلَقة
 
ناقشنا في مسار هذا الكتاب الطبيعة الحقة للكون الرائع و اللا متناهي و المتعدد الأبعاد, و المعروف أيضاً بإسم الرب، و الأسماء العديدة الأخرى التي تطلقها عليه التقاليد و الثقافات المتنوعة في العالم، و الممالك الداخلية للحياة و الحقيقة خارج إطار هذا الكوكب الدنيوي الذي نسافر فيه جميعاً عبره عاجلاً أم آجلاً باتجاه تحقيق قدرنا المطلق و الأكثر قداسة.
 
و لاحظنا كيف أن كلاً منّا يخلق قدره الخاص به، و بالتالي، يضبط إيقاع تطوره الشخصي بذاته، و قدره المطلق، و ذلك من خلال الإرادة الحرة التي وهبَنا إياها خالقنا الرباني الذي تشكل عودتنا إليه المهمة الأقدس بالنسبة لكل واحد منّا. 
سيكون واضحاً للجميع الآن، أنه بسبب غياب المعرفة الحقيقية بأن المسار الحقيقي للبشرية يتجه في منحى بعيد كل البعد، و بشكل متزايد و مطّرد عن الدرب المؤدية إلى الرب و عن الضياء و عظمة و روعة الفضاءات الداخلية للحقيقة، و التي تعتبر الوجهة الحقيقية و الصحيحة للبشرية، فإن البشرية تتجه إلى عالم الظلمة؛ و هي ظلمة مؤذية وَقُودُها الجشع و التطرف و التعصّب و المادية المنفلتة التي لا ضوابط أو معايير لها؛ إنها "الأنا" التي لا تخضع للسيطرة إضافة إلى العديد من السمات البشرية الظلامية الأخرى الي ما فتئت تصب الإنسان بأوبئتها.
 
عندما تصبح المعرفة الحقة و الواقع الحق حول الكون، و بالتالي، قدر البشرية معروفة للجميع، عندها فقط، يكون بإمكان البشرية الابتعاد مرة و إلى الأبد عن ظلامية الماضي و العودة مجدداً باتجاه الضياء، و بهذا نكون قد تابعنا مسيرتنا باتجاه تحقيق قدرنا الحقيقي و الصحيح بصفتنا كائنات روحية خالدة مخلوقة على صورة الرب. 
و حينها فقط، يمكن للعالم الدنيوي، أي حضانة الأطفال، الربانية أو الكون الذي يعود إليه الناس مرة إثر مرة، أن يتحول إلى "جنة الرب على الأرض"، و إلى مكان يعبق فيه السلام و التناغم و الصحة الموفورة و السعادة و الوفرة للجميع؛ و سيكون الإرث الذي يوضع في عهدة البشر؛ و لكنه الإرث الذي ما زالت البشرية حتى الآن تدير ظهرها له.
أهم واجب مقدس يرقى إلى مرتبة القدر، و الذي يجب على كل امرئٍ من دون استثناء أن يقوم به هو السفر عبر تلك الدرب المقدسة عائداً إلى المنبع، أو العلة الأولى أي الرب، خالقنا الأعظم؛ و في غضون ذلك عليه أن يقوم دوماً و بصورة إيثارية بمد يد المساعدة للآخرين الذين يقفون على آخر تلك الدرب، بروح من الحب الخالص و النقي، و الذي يُعتبر أقوى قوة في الكون برمته. 
 
يجب أن يكون واضحاً للجميع من دون استثناء، أن كل شخص مولود في هذا العالم الدنيوي أو سبق له أن ولد قبلاً أو سيولد في المستقبل عاجلاً أم آجلاً، لا بد له أن يضع قدمه بثبات و ثقة على الدرب الربانية التي ستمهد له السبل للقيام بالرحلة الأكثر قداسة من أية رحلة أخرى؛ هذا هو القدر المطلق و المحتّم له و لإخوته و أخواته عبر الكون؛ و هذا هو المعنى الحقيقي و المطلق للحياة نفسها.
 
لا تجوز إضاعة أية لحظة من الوقت على ظهر هذه الأرض. فكلما تم تحقيق التقدم الدائم و الحقيقي أبكر و أسرع، كان تجاوزه دورة التقمص المادي أسرع، في الوقت الذي تستمر فيه الرحلة المقدسة في أرجاء الحقيقة الداخلية و في العوالم و السطوح و الفضاءات و الممالك و نقاط الحب الخالص و النقي ؛ 
و في الوقت الذي يبدأ الناس يعون بصورة متزايدة هذه الحقائق الداخلية للهدف الحقيقي و المعنى الحقيقي و المطلق للحياة و القدر، فسيؤدي ذلك كله حكماً إلى توسّعٍ مُطّرد للشعور في العقل البشري الجمعي، و هذا بدوره سوف يتابع مهمته كوسيط بالنسبة لأعداد متزايدة من الناس الذين يبدأون بالتعرّف على ذه الحقائق الكونية و القدر الفردي.
 
ختاماً و مع اكتمال دورة الزمن سيصبح كل فرد على سطح هذا الكوكب واعياً تماماً بالهدف الفردي الحقيقي و الطبيعة و القدر ، و سوف لن يضيّع أية لحظة من هذا الزمن الدنيوي بمعايير الأرض، و سيقوم بترتيب حياته على هذا الأساس.
لقد بدأت هذه العملية بالفعل؛ و هي أحد الأسباب التي تجعلنا نشاهد بصورة متزايدة "ظواهر طبيعية" مثل القدرات النفسية و الاستبصار و الإسقاط الطيفي، هذه الظواهر التي بدأت ملامحها تظهر على البشر الذين لولا ظهورها بهذه الصورة الجلية ما كانوا ليؤمنوا بها أو يصدقوها، أو حتى يلاحظوا احتمال وجودها في المقام الأول.
 
تتمّ هذه العملية دوماً بمساعدة من كائنات متقدمة متوضعة في الفضاءات الداخلية للحياة، اختاروا بمحض إرادتهم مساعدة البشر في إتمام هذه العملية الربانية.
إن المعنى الحقيقي للحياة و القدر و الحقيقة المطلقة لكل فرد من البشر من دون استثناء ، يكمن في عملية تطورٍ تعيده إلى العلة الأولى أو المنبع، أي الرب؛ و هي عملية مستمرة لا يجوز تأخيرها البتة، بل يجب التماهي معها بشغف و متع و بكل ما أمكن من الحب الخالص و النقي.
 
 
                                          خاتمة
 
آملُ بمنتهى الأمانة و الصدق أن يكون هذا الكتاب قد نجح في أن يُريكم الدرب التي تأخذ بكم إلى الأمام في هذه الحياة و الحيوات المستقبلية و ما وراءها، و أن يجعل حياتكم الحالية نتيجة لذلك، أكثر متعة و سكينة و تناغماً.
 
و تبقى مسألة معرفة قدركم الحقيقي في نهاية المطاف تعود إليكم و منوطة بكم.
لا يوجد كمٌّ من القراءة أو المعرفة النظرية البحتة يمكن بذاته أو لذاته أن يساعدكم في اكتساب قدرات إضافية، أو الوصول إلى أهداف تتوقون إلى تحقيقها، أو تحقيق قدركم العظيم ؛ 
بل إن ما يجعلكم تحققون ذلك هو فقط القرار الواعي التام، الذي سيجعلكم تتقبلون ( حقيقتنا المطلقة ) بشكل كامل، و أن تتقدموا بناء على ذلك محاطين بالمعرفة الممزوجة بالمتعة و الثقة الكاملة بأنكم سوف تصلون إلى أهدافكم.
 
أخيراً أرجو أن تتذكروا دوماً أنكم لستم مجرد كائنات مادية دنيوية تخوض غمار تجربة حياتية وحيدة في العالم الدنيوي، و أنكم تسكنون في داخل أجساد مادية محضة؛ بل إنكم الآن هو كما كنتم دوماً، و كما ستكونون مستقبلاً، كائنات روحية خالدة تنتمي إلى هذا الكون اللا متناهي بكل فضاءات الحياة و الحقيقة، و أنكم جزء لا يتجزأ مما هو رباني، أي من العلة الأولى أو الروح العظمى أو الكل أو النبع أو الخالق الأعظم أو كل ما توحي به أسماؤه الحسنى، و المعروف في معظم الأحيان، بكل بساطة، بإسم الرب.
ختاماً، أتمنى شخصياً لكم جميعاً تحقيق كل ما تصبون إليه من نجاح و سلام و ضياء و حقيقة و تناغم و حب خالص نقي في رحلتكم الفردانية القادمة عبر هذه الحياة و الحيوات الأخرى القادمة على الأرض، و إلى الأمام عبر روعة و عظمة و مجد الفضاءات الداخلية للحياة و الحقيقة، في الوقت الذي تحققون فيه حقيقتكم المطلقة الخاصة بكم، و قدركم المطلق، و تتوجون ذلك بعودة مظفرة على تلك الدرب المقدسة باتجاه خالقنا الرباني الذي تُعتبرون جزءاً خالداً و لا متناهياً و أزلياً لا يتجزأ منه، و أنكم مجبولون بهذا الحب الخالص و النقي، و أنكم مخلوقون على صورته.
 
------------------------------------------
 
انتهى الجزء الثالث و الأخير من عرض و تلخيص كتاب "حقيقتنا المُطلَقَة" لمؤلّفه الإنكليزي : ( إدريان كوبر )..
 
       ومعه ينتهي عرض وتلخيص الكتاب .
 
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان