الثقافة سياستي

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

إن ما يعانيه المثقف من آلامٍ وصدمات وتداعيات، ليس بسبب المكونات الخارجية التي يعيش فيها ومن خلالها فحسب، بل وبالدرجة الأولى والأهم، بسبب من المثقف نفسه، ومن المثقفين عامة في تواجدهم وتعاملهم بين بعضهم البعض، ومن كيفية تناولهم لقضايا أمتهم وأوطانهم الأساسية والجوهرية فكراً ووجوداً وممارسة وسلوكاً ونهجاً...

لا يكون الجسد ككل مأزوماً، لو كانت مكوناته سليمة معافاة غير مأزومة، حتى لو افترضنا أمراً وهو أن كل ما حولنا مأزوم، فالأولى بنا كمثقفين، وحتى في أكثر المراحل ضعفاً، أن نتآزر لتبديد هذه الأزمات...

ولكن ما يحصل هو عكس المنطق وعكس العقل وعكس الصيرورة الحضارية الإنسانية...

ولْأتجِهْ إلى الداخل الثقافي العربي بعامة، لأنه ولنسبة كبيرة ينسحب بتشابه استنساخي على معظم بلداننا.

وأؤرشفُ قولي هذا بهذه العناوين التي أطرحها ليس كصيغة وحكم نهائيين، بل قابلة للتعليل والمناقشة والتحليل والنقد...

  • صحيح أن النخب الوطنية الفكرية والثقافية والدينية والسياسية كانت الرافع والحامل الأساس لعمليات التحرر الوطني والاجتماعي، وبالتالي السياسي التي شهدتها بلداننا بعد موجة "سايكس بيكو" الاستعمارية، فكان أن انتصرت هذه النخب بالفكر والرؤية وصاغت رؤاها بلداناً مستقلة عن المستعمر الأجبني، استقلالاً سياسياً في البداية، ثم استقلالاً ثقافياً وتحرراً اجتماعياً لاحقاً...
  • هذا الأمر وطَّن لحالة هامة جداً وهو استلام هذه النخب برؤاها لعملية القيادة السياسية في بلدانها، ما أسس لحالة من الاستقرار السياسي والوطني امتدت لعقود لاحقة
  • تلا هذا الأمر وخلال أقل من العقد التالي عمليات تحرر اجتماعية، وتغييرات ثورية راديكالية، في زمن المد الأيديولوجي، والفكري، والثوري، في شتى أنحاء العالم، ولم تك بلداننا بمنأىً عنها بل ولَّدت وأنشأت وقامت بحركات تحرر فكراً أو تأثراً مباشراً...
  • أدى استلام هذه النخب المثقفة الوطنية الجديدة، إلى نوع من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المديد والذي أدى لبقائها عقوداً عديدة تالية امتد بعضها لنصف قرن من الزمان وبعضها لا يزال مستمراً
  • بعد عقود الاستقرار، وبدء ظهور بوادر تغييرات دولية عالمية إقليمية وتحولات جذرية عميقة في التخطيط الاستراتيجي للكولونيالية الجديدة "النيوليبرالية" تجاه العالم، وتحديداً بلدان العالم الثالث، لم تستشعر أو تستشرف هذه القيادات بمنظوماتها التي أسست عليها حينما أتت للسلطة، لحالة من التجدد والتجديد المستمر، وإعادة البناء والتقييم، في شتى مناحي الحياة، ما أدى في ظل ثورة التكنولوجيا العالمية والثورات الرقمية وثورة الاتصالات، إلى تجاوزها فكراً واقتصاداً وتكنولوجيا فباتت، ولا تزال، في المدار المنفعل لا الفاعل، نتيجة عدم استثمارها لطاقات شعوبها المتجددة في إطارٍ منظوماتيٍّ علمي يرسخ لها موضع قدم في الخضم القادم العاتي...
  • جاءت فاتحة القرن الحادي والعشرين على وقع نهاية القرن العشرين التي آذنت بانتهاء المد الأيديولوجي الرومانسي لكثير من النظريات والأحزاب والثقافات والمكونات العقائدية والفكرية، والتي لم تتنبه لها النخب السلطوية أيضاً، مؤذنة بالمد الجديد الذي لا يقاوم والذي بدأ بالغزو الفضائي والإعلامي والبصري والتكنولوجي، ولأيديولوجيات "صراع الحضارات، وصدام الحضارات، ونهاية العالم، وموت التاريخ...الخ"، والذي حذر منه الكثيرون لكن لم يتم التنبه إلى ضرورة التوطين لعمليات إصلاح شاملة أو جزئية حقيقية، اقتصادية أو اجتماعية أو قانونية أو ثقافية بالدرجة الأولى، لدرجة بتنا نلمس ما يمكن أن ندعوه تقدم النخب الثقافية على النخب السياسية، بفكرها ورؤاها واستطالاتها الفكرية الاستشرافية التنبؤية، وخاصة بعد الهزائم والنكبات والنكسات التي مني بها النظام السياسي الرسمي العربي
  • في عقود الاستقرار منذ الستينات والسبعينات وحتى مطلع الألفية الثانية، حيث أعلنت عن نفسها ثورة الاتصالات والمعلومات والأرقام والتكنولوجيا والاتصالات، تم ترويض وتطويع المثقفين، وبات المثقف مهادناً للسلطات القائمة، ومع الزمن بات يتخلى عن القضايا الثقافية الأساسية المبدئية، ومن لم يهادن، وتحديداً إثر نكبة فلسطين ونكسة حزيران تمت ملاحقته وتهميشه من قبل السلطات القائمة، ومن تبقى منهم فقد باتوا يدورون في فلك الأنظمة القائمة.
  • من وقتها لم يقيض للمثقفين أن يكوِّنوا مشروع أو نواة نهضة جمعية تنويرية ثقافية نهضوية تحقق استشرافيتها الأمر الذي أدى إلى تأخر الخطاب الثقافي لصالح الخطاب السلطوي
  • بعد الأصوات الهامة القليلة الساطعة في تلك الحقب، والتي لم تستطع تشكيل طبقة ثقافية جمعية موحدة الرؤى بل بقيت أصواتاً فردية، لبتحقيق لهذه الاستشرافات، جاءت "ثورات الربيع العربي"، لكي تقوم بفعلها الانقلابي الهائل في جسد الأنظمة والمجتمعات معاً، وضاعت وتشتتت الأصوات المثقفة من النخب الثقافية، والرؤى الحرة ، وأضاعت هي الأخرى في بادئ الأمر بوصلتها فقد حسبت أنها الثورات التي طالما تاقت إليها لإحداث التغيير تحت واجهة العولمة البراقة وبوسائل تكنولوجيتها المشبوهة، فمنهم من انتبه إلى حقيقتها منذ البداية ومنهم من ماشاها بحذر ومنهم من ارتمى في أحضانها، ومنهم من اعتصم بالخطاب الثقافي الرسمي، بينما كان الخطاب الحقيقي هو الخطاب المبني على أساس "الديني" والذي بات يحل محل الفكر الثقافي ودور الثقافي، والأخطر أن الحراك الربيعي العربي أخذ شكله ولبوسه "الديني" في "داعش"
  • في الوقت الراهن، من أغرب وأخطر ملامح المرحلة هو خفوت الخطاب الثقافي والسلطوي والسياسي أمام الخطاب الديني وتأثيره، في وقت بات فيه الفرد العربي، والمثقف تحديداً، من خلطِ أوراقٍ، بوضعٍ يبحث فيه عن كينونته من أعماق تاريخ حضارته، وعن استنساب جديد له يعود به متلمساً جذوره الحضارية الأولى وهويته المعرفية هارباً من الواقع الذي آل إليه
  • أخيراً ... من أخطر ما نعيشه حالياً، هو تقدم الديني التطرفي الإقصائي بجناحيه العسكري الذي دحر في الميدان، والفكري، على الثقافي، وهنا في تقديري يكمن الخطر الداهم على كل مكونات أمتنا العربية بكل جذورها الحضارية القديمة المتنوعة والتي شكلت الجذور الأولى لحضارات العالم كافة
  • أي حراك مطلوب الآن هو أن يعود الحراك الثقافي ليأخذ دوره الحضاري الريادي، في الصدارة، وليأخذ المثقف دوره الحقيقي، بل ليضطلع به، فالثقافي جامع لكل مكونات الفكر في العقل الإنساني وهذا بيدنا وهو أن نمتلك هذه الإرادة...