بعض الضجيج..!
علي الراعي - خاص فينكس:
".. أصبحت الرواية على هامش التاريخ والكاتب لا يهتمُّ إلا بنفسه، يُكرّسُ وقته في تفتيت النص، ويزيد في سواد الصورة أيضاً، وثمة أكوام هائلة من نتاجات الكتب تُرمى.." - على ما يرى عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة آفينيون الفرنسية كريستيان بيتر- ذلك إن الكلام الشعري هو أداة غير مفيدة مباشرة، بقدر ما هي مفيدة في كل شيء، والكلام الأدبي على العكس من كلّ الخطابات، ليس له وظيفة محددة اليوم تُقيده، ويُمكن أن تُحاكي أية وظيفة أخرى في الآن ذاته.. والسؤال هل غياب "الوظيفة" فرض الحديث عن موت الرواية والخيال ..؟!
لا يغرّك الحديث المزعوم عن (ازدهار الرواية)، هو فقط حديث لأجل الحديث فقط، فلايزال الشعر (ديوان العرب)، هذه حقيقة، واليوم ثمة ما يُشبه (الانفجار الشعري)، أما عن حقيقته وزيفه فالشرح هنا يطول، ولكن لمن يُشكك؛ فإننا نقول بما يُشبه التحدي الذي ذهب إليه الشاعر السوري المُقيم في طوكيو – اليابان محمد عُضيمة يقول: ف"كدعاية لدورهم ونزاهتها أتحدى ناشراً عربياً واحداً أن يفصح عن:
1ــ عدد النسخ التي يطبعها من أي كتاب، لاسيما الرواية، على أساس أنها البطل العربي الجديد.
2 ــ هل هي طباعة ريزو/تصوير، أو بلاكات/زنكات. لأن الريزو/التصوير، غير مكلف، ويختفي حبره مع الزمن ويباع بسعر طباعة البلاكات وهذا عيب.
3 ــ رقم المبيعات من كل كتاب، لا سيما الرواية والفترة الزمنية التي استغرقها هذا الرقم.
4 ــ السعر على الغلاف بالدولار، أو بالعملة المحلية بما يعادل سعر الصرف أثناء الطباعة.."
فخارج نطاق بعض الأوساط النخبوية؛ لم يعد يُسمح للكتّاب تقديم آرائهم، وكان أن اختفى المفكرون كما كانوا في نهاية القرن التاسع عشر.. وبدأ الكتاب بالتراجع، وثمة ما بدأ يُشير ويتحدث عن نهاية الرواية، وحتى نهاية التاريخ..!
والذي اختلف إن الكتّاب والفنانين؛ تخلوا عن أدوارهم السابقة كمتنبئين، ومنشطين ثقافيين، ومنورين، وهنا كان "الخطر" إذ بقدر ما تخشى مجتمعاتنا الصمت، نُطالب بسلسلة غير منقطعة من الضجيج..! إذاً هل لنا أن نتشاءم ؟!!.
في القرن العشرين كان ثمة هرجٌ هائل من الأفكار والتيارات الفكرية والنظريات الأدبية، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، أصبح يلتمعُ غياب كلّ ذلك، ورغم وجود الكثير من الكتّاب والمفكرين، لكن لا يمكن تصنيفهم ضمن تيارات محددة.
ثمة حالة حداثية اليوم تفرض نفسها بطريقةٍ مُغايرة، فإذا كانت الرواية لم تمت، فإنّ مشهدها يتغير، وثمة عودة لها، ولكن حتى كلمة عودة إشكالية – يرى كريستيان بيتر- ذلك يعني إنها كانت غائبة.
حداثة جديدة أقرب لأن تكون "تدميرية" انتجت روايةً جديدة، لكن هل جاء ذلك ترميماً للسابقة، أم حداثة ثانية ؟! – يتساءل الناقد الفرنسي- كل الدلائل تشير إلى نوعٍ من الطفرة الشعرية الجديدة، ومع ذلك هذا النتاج الروائي وبالتقنية الجديدة على الصعد كلها، هو نتاج معزول عن مخاوفنا ومشاغلنا الإنسانية العميقة، والنقاد اليوم يسبرون مدفن الرواية، ولكن لا يتورعون عن فتح التابوت، ومشاهدة الجثمان، والكلام اليوم يُعاد إلى الخلاّق – المؤلف.
في الزمن السابق كان الكلام ينبثق من المؤلف الذي يُعلن الأسطورة، لاسيما في زمن الرومانتيكية.. في حداثة اليوم الكلام يُعد للكاتب كصدى سحيق لاستقلاليته..!
مع الكلام الشعري، يُقال ما تعجز عنه الخطابات المنهجية، يُكشف عن أعماق الفكر، ويقول المُحرم بمستوى آخر، لكن بجمالية ما، وكل كاتب هنا هو "خائن" – يؤكد بيتر- ذلك لأنه كاتب حقيقي، لا يقحم الفوضى في المعاني المكرسة، فالكاتب لا يعتنق، وبينه وبين أفكار الآخرين مسافة، يُقدم نقداً مستمراً لكل الحتميات، ولديه رغبة للتنقيب في الحقائق المطلقة، ويطبع على كل الأجسام قبلاته المسمومة بفيروسات حميمية..!
بما يشبه التمني، يقول كريستيان بيتر: كنتُ أود أن أكون من كتّاب القرن التاسع عشر، لأقول مع كتابه الكبار كبلزاك وغيره: إن للإنسان غاية، يذهب باتجاه أرضٍ موعدة، برواياتٍ مثقلة بالتعليم والمعارف، ولكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، يعتبر الكتّاب إن الأرض الموعودة لم تعد أمامنا، فانكفؤوا على أنفسهم.!!