المراكز الثقافية.. واقع "واقع" جداً!

تمّام علي بركات - خاص فينكس: 

دُعيت إلى واحدة من الفعاليات الثقافية، ندوة حوارية أدبية فنية،- الله يجعلها كذلك - في أحد المراكز الثقافية، عادة لا أذهب لحضور فعاليات كهذه، لشؤون عدة منها الضجر من المواضيع المطروحة، فلا جديد لا في الطرح ولا في النقاش فيها، طبيعة الحوار نفسه، القائمة على المحاباة و"التطييب".
عندما يكون من يدير النقاش لا ثقافة لديه ولا إمكانية معرفية تؤهله جعل الحوار حواراً، إلا هزاً للرأس ونقلاً تجريديا للأسئلة التي تم وضعها، دون أن يخطر في باله أثناء الحوار، أي فكرة تُصعد مستوى الحوار والنقاش، تجد عدم الجدوى من الحوار نفسه، فالجميع متفق على ما يُطرح، والبعض لديه ملكات أدبية يضعها في الشأن النقدي، فيغيب النقد عن كلامه وتبقى الكلمات الوصفية بلا معنى أو أثر، إنها لا تغادر فمه أساسا، فإذا الحال هكذا فلما إذا يسمى ما يجري بهتانا "حوار"؟ تكرار الأسماء ذاتها على تلك المنابر، حتى أن الجمهور، ومهما كان نوع الندوة، هو هو، تقريبا! ويمكن القول أن كل مركز ثقافي صار لديه "شلته" من الكتّاب والشعراء والنقاد والجمهور!
أما التغطيات الصحفية للأماسي الشعرية والندوات الأدبية والنقدية، التي يقيمها هذا المركز أو ذاك، والتي يقوم بها أيضا مجموعة من الصحفيين المكررين، فهم إما يصنعون خبرا صحفيا محايدا عما تتم دعوتهم إليه، أو يقدمون رؤية نقدية حوله، فإن هم أطنبوا وأطربوا، هللوا ومجدوا، فلسوف يدعون مرارا وتكرارا، وإن ذكروا رأيا نقديا ليس فيه للتزلف مطرح، ولا للكذب وجود، وخالف الأهواء والأمزجة، فلن يُصار إلى دعوتهم مرة أخرى، إلا إن أصر ذلك الصحفي-ة، على مواكبة الحضور، وتقديم ما جاء لأجله بمهنية ورأي جسور، وهؤلاء قلة، وهذا الكلام أقوله عن تجربة شخصية مع تلك المراكز الثقافية!
واقع المراكز الثقافية عموما مذرٍ، -هذا ليس بالأمر المخفي أو غير المعروف لعموم المشتغلين في الحقل الثقافي-عدا تلك التي تُدعم كونها قريبة في العاصمة، وحتى هذه تنسحب عليها الأمراض نفسها، لولا نقل صورة مغايرة من بعض "المتقرشين"، الذين يكتبون ما يُمليه عليهم إما الجهل أو المنفعة، ولا غرو، فما من صحفي في سورية يعيش من قلمه حتى لو كتب كل يوم 3 مقالات في الجرائد والمواقع المحلية، فأجره لن يتجاوز ثمن كيلو سكر وعلبة تبغ في أحسن الأحوال، ويُخصم منه أيضا لصالح اتحاد الصحفيين، حتى لو لم يكن منتسبا إليه!.
إنّ ما شدّني في الإعلان عن ندوة حوارية نقدية، هو لقب "الأديب" الذي أُسبغ من غامض علمه على مدير النقاش، فلم اسمع به سابقا وأنا من يشتغل في هذا الشأن منذ قرابة العقدين من الزمن! عدا عن ذلك، لم أسمع عن رواية صدرت، أو مجموعة شعرية نُشرت، أو كتاب ضم قصصا قصيرة، أثار ردود فعل كبيرة بين القراء، ولا تناولتها أقلام النقاد سواء في الداخل أو الخارج، تشيد ببديع هذا النتاج أيا يكن، عدا عن ذلك، أأديب من بلدي أعاصره بل ونحيا في نفس المدينة ولا أعلم عنه إلا شذرات نقدية مفككة، فيها العديد من الأخطاء النقدية والمنطقية، عدا عن سطحيتها عموما، فكيف يكون أديباً؟ كلمة "أديب" كلمة ثقيلة لا يحملها إلا من كان أديبا فعلا.
 بالتأكيد هناك العديد من الأسماء التي لها محاولات جيدة في الأدب، لكنها لا ترقى لأن تجعل صاحبها أديبا وفق ما تذهب إليه هذه المفردة من دلالات ومعاني، وعندما ذهبت لأسال "غوغل" عن أدبه، وإذ به لا يوجد أي نتاج أدبي له ولا في أي مجال، عدا عن بضعة "ثرثرات" نشرها في إحدى المنابر والتي لا تخفى طبيعة النشر فيها كيف تتم على مطلع، ووصف ثرثرة ليس مناسبا تماما، فهي أعلى منزلة من خربشات "أديبنا" الكبير!
المصيبة أن الوسائل الإعلامية التي دعيت لتواكب الحدث العظيم، نقلت الخبر على وسائلها وفيه تُخبر عن ندوة أقيمت في المكان الفلاني وقال الفلان العلتاني، وأكد غيره وتفاعل الجمهور، وغيرها من مفردات، من قام بنقل الخبر من صحافييها، لم يخطر في باله ولا للحظة أن يفكر في الموضوع، الجماعة شغل _قص، لصق_وهذا يدل على ضحالة وجهل وتقرش، ويٌخبر بشفافية عن الحال الثقافي والمشتغلين فيه عموما، فالقصة ليست عن مجاملة بمثابة التشجيع -في حال صدق الظن بأنها كذلك- لشاعر شاب يواجه الجمهور لأول مرة، ولا "تمريقة" لخطأ نقدي مارق في الحوار، في جعل كلمة أديب مشاعية، عامة، بلا صفات، بلا معنى، فأديبنا لا كتاب واحد من أي نوع ولو كان عن الغسيل صدر له، رغم معرفتي الواثقة بالحال التي يتم فيها توزيع الألقاب مثل: شاعر، ناقد، فنان تشكيلي، نجم، وغيرها، إلا أن كلمة أديب لها مواصفات يجب أن يتمتع بها من تليق به، ولا يحق للتعريض الثقافي الحاصل أن يتطاول عليها هي بالذات دون غيرها، حتى لو كانت المراكز الثقافية، هي الحاضن الأساسي لهذا!
المراكز الثقافية خصوصا في المناطق التي تفتقد للمنشآت الثقافية –دور سينما-معاهد فنية، مسارح- خصوصا في الفترة التي تلي الحرب، هي من يعول عليها لرفع المستوى الثقافي والفكري، واكتشاف المواهب الأدبية والفنية والفكرية الحقيقية، إلا أن هذا الدور الهام تراجع وبشكل كبير، وغدت العلاقات الشخصية عموما هي من تحكم البرامج التي تقوم بها تلك المراكز، وهي بحاجة لوقفة ومراجعة وتصحيح، فالوفرة في الندوات والأمسيات وغيرها، ليست هي الهدف المنشود، بل النوعية والوصول لعقول الناس ووجدانهم، وهذا ما يغيب عن معظم مراكزنا الثقافية من أسف!