تشظّي الكتابة بين الشعر وقصيدة النثر
د. ضحى يونس - خاص فينكس:
بين الشعرالمنظوم، و قصيدة النثر تقعُ مفاضلاتٌ نقديّة كثيرة، وعلى جانب قصيدة النثر يميلُ هذا المقال؛ فالشعر المنثور يفجّر ينابيع الحياة في أثناء أخذه العالم على محمل الحلم، و هو كلامٌ بليغ يجري على منهج التخييل في الشعر، و التأثير بمعزل عن عامل الوزن بينما الشعر المنظوم هو كلام مسجوع يجري على نهج الشعر في التخييل. و الشعر المنثور نمط من الكتابة بين الشعر والنثر يلتقي مع الشعر بنغمته الموسيقية و جمله المُنسّقة تنسيقا شعريّا أخّاذا، لكنّه يختلف عن الشعر بتحلّله من الوزن و القافية ليحلّ محل ذلك شيءٌ من الغموض العذب.
قصيدة النثر تستحق من المدافعين عنها أن يقدموا مادة نقدية مقنعة حولها، ولكن لم يعد هناك سجال جاد فاعل حولها، بسبب خمول عامً يسود ساحة الثقافة العربية يحول دون ذلك.
إنّ قصيدة النثر ليس لها أصل شفوي كالشعر الموزون فأصلُها كتابي، و لم يقترح كتّابها أنْ تُغنّى إلّا مؤخرّاً رغم أنّ قصيدة النثر الناجحة تغصّ بكل مكونات الشعر من عاطفة و فكر، خيال و أسلوب، أكثر من النظم ذاته أحياناً فمن بنية الجملة إلى بناء الفقرة، تنتقل هذه القصيدة من الفرضية المنطقية الى الفرضية الفنية والجمالية المحضة؛ و هي فرضية خاصة بالشعر المنثور الذي يجري مجرى الخاطرة الوجدانية المنسابة من النفس بسرّية؛ فالشاعر يكتب لنفسه و كأنه لن يقرأ أحدٌ ما كتبه فتولد الكتابة عارية و مطمئنة في آن معا إلى أن لن يراها أحدٌ، و إذا رآها لن يعرفها بمعنى أنّه قد لا يفهمها، و هكذا تتدفق قصيدة النثر كجرح عفوي النزيف.
إنّ الشعر تأمّلٌ إبداعي يتجاوز حرفية اللغة إلى سرٍّ وراءها؛ فهو احتضان الكلمات للمحبة، و ما اللغة الا الأم الحاضنة للشعر بتاريخه المتعدد؛ تاريخ الوجدان و الروح، الجسد والفكر، الحدس والإحساس، الثقافة والأدب، الحضارة، الفلسفة والفنون، الوعي واللاوعي، الواقع والخيال. لذلك هو في غنىً مطّرد ويغدو دوما أغنى من التاريخ ذاته، لأنه تاريخ موازٍ للتاريخ البشري الواقعي، و أحلامه الكونية.
و بالحديث عن تاريخية الشعر ينبثق إلى الذهن سؤال حول موقع الشعر بين التاريخ و المستقبل؛ يتساءل فابريس ميدال: (لماذا الشعر؟) ثم يجيب: (الشعر هو شجاعة الانعتاق من معرفتنا الصدئة و الدنّو من التجربة الأصلية للعالم)، فإذا كان الشعر شجاعة - و هو كذلك في حقيقته الأكثر صدقا وعمقا - فأولى به التجريب و على حين أنّ المثقف محكوم باللون السياسي، فالشاعر محكوم بالحقيقة لأنّ الشعر ليس مجرد خيال يبتعد بنا عن الواقع بل وظيفة؛ ووظيفة الشعر هي وظيفة أكثر خطورة مما نتصوّر غالباً فهي مواكبة السائد ثم الارتقاء به الى أفقٍ أسمى، و البحث له عن آفاق جديدة أكثر سمّواً وجمالاً وجدوى لذلك يخلص فوزنيسكي للقول: (للشعر وظيفة واحدة هي الدفاع عن إنسانية الانسان في هذا العالم).
و الكتابة الجيدة لا مرجعية لها سوى ذاتها، و تجربتها الفردية؛ يُعرّف أدونيس الشعر: (الشعر رؤيا و احتجاج على السائد و تساؤل حول الممكن) وإنّ هذا التعريف يؤهّل الشعر للاحتجاج على ذاته أيضا، و على تاريخه معلناً أنّه ليس كلاماً، بل هو حالة و حياة داخل اللغة و خارجها؛ و أن تكتب الشعر يعني أن تكون ما تكتب، وأن تعيشه غيرَ مُكتفٍ بقوله، و ترديده ذلك لأنّ الشعر حالة رومانسية يعبّر فيها المبدع عن توحدّه مع الكون، و عن عزلته الاختيارية في غربته عن مجتمعه في آن واحد، فهو تجربة نفسية تتمخض عن مقاييس فنية خاصة بتجربته الفردية.
أمّا الشاعر فحضور و غياب في آنٍ معاً؛ فبعد الغربة الرومانسية يحضر الغياب المضيء، يرى والاس فاولي في الشاعر: (ضوءاً مُجنّحاً، و شيئاً مُقدّساً، و في الشعر يبطل عمل العقل)، أمّا هربرت ريد فيجد مخرجاً آخر للتناقض بين عقل الشعر وقلبه يقول: (الشعر فهم ٌعاطفيّ للفكر) عاكسا ًجزءاً من آية دانتي: (الشعر فكرٌ متحوّل إلى مجازات وتخيّلات) و الشعر ديمومة لغوية ناشئة عن ديمومة نفسية لذلك هو في خلق مستمر و حسب كولريدج: (لا يستطيع التوصل الى الفكرة العميقة إلّا رجل ذو عاطفة عميقة) فالأفكار العظيمة هي نتاج عاطفة عظيمة، و العلاقة بين الفكر و العاطفة هي علاقة أكثر قوة من تخيلاتنا دوما.
و الشعر الأصيل هو ثورة سريالية رافضة دوما فضلا عن كونه حالة تحوّل و تأمّل فإذا كان السرياليون وهم أرباب الشعر يرفضون الحدّ الفاصل بين الشعر والجنون، أفلا يرفضون الحدَّ الفاصل بين الشعر والنثر؟ فهم الذين يطلقون العنان لحصان التخيّل، و يكسرون كلَّ الإشارات الحمراء؛ أمّا اللغة الشعرية بما هي تحرير للطاقات المكبوتة و تحرّر من المنطق الخارجي، و قدرة للتخلّص من المادة وكسرٌ لقيودِها؛ فالكتابة براءة اختراع، و الشعر تشظٍّ للكتابة، و الشعر يسلمك إلى ذاتك، و يُسلم ذاتك لك، ولأنّ هوية الإبداع واحدة فإننا نبحث عن النثر في الشعر وعن الشعر في النثر و هذه الهوية الواحدة تتشكل من الصفاء والنضج؛ فالقصائد الجيدة والجميلة منظومة كانت أو منثورة ما هي إلّا أشجار تنبثق من هموم ذاتية يقوم الشاعر بتطعيمها من هموم الآخرين لتصبح جذورا كونية، و تنمو بالقرب من هموم الناس جميعا في البكاء، والغناء، و في الربح والخسارة، في الرفض والاستسلام؛ و من هنا يكاد يكون الشعر هو التأكيد الوحيد في هذا العصر على أننا ما زلنا بشراً.
ها هو محمود درويش يوقع على مشروعية قصيدة النثر التي قطعت شوطا كبيرا في مسيرتها الابداعية، و في تأكيد ذاتها في مجموعته (أثر الفراشة) فيعنون أحد نصوص المجموعة ب (كقصيدة نثرية)، إذ لم يجد مشبها به أجمل منها في نص تتتابع جمله فائضة الشعرية دون توقف حتى بعد انتهاء القصيدة؛ نص يحتفي بالطبيعة، وإيقاع النسيم، و اصفرار العشب، و نشاط العصفور الدوري، و قلّة الأخطاء التابعة لقلة الحماسة، و الخاطرة المجانية، وإدمان بطولة المجاز... الخ الخ إلى أن يحتفي أخيراً بالحاجة الغامضة للشعر:
(صيف خريفيٌّ على التلال ِ كقصيدة نثريّةٍ)
(النسيم إيقاعٌ خفيفٌ أحسّ به و لا أسمعه...)
(صورٌ تتكشف و تغري البلاغة بالتشبّه بأفعالها الماكرة)
(لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر لما كنت في حاجة إلى شيء).