من اٌقفاص الخليل إلى أقفاص الهايكو

علي الراعي - خاص فينكس:

قد يظن من يقرأ هذه الزاوية، بل وحتى من عنوانها؛ أنني لستُ مع كتابة نص (الهايكو)، أو أنني لا استسيغه، أو تذوقه.. من هنا أسارع وأقول أنني لست ضد أي نوع إبداعي، قد يكون لدي ملاحظات لما يُنشر بهذا الإبداع، أو ذاك من باب (القراءة) النقدية ليس أكثر، هذا أولاً.. أما ثانياً، وفيما يتعلق بالهايكو؛ فأنا لستُ من متذوقيه وحسب، بل سبق أن أقمت لكتّابه أكثر من مُلتقى إبداعي، ولي في مجال كتابته مجموعة صدرت مُشتركة مع الشاعرة نغم عبود بعنوان (كوقتٍ يُزهر على الشرفات) عن دار بعل بدمشق..

غير أنني أسوق ما تقدّم لأطرح السؤال التالي، والذي طالما بحثت عن الإجابة له، منذ أن (استفاق) العرب لفن إبداعي ياباني مُتساوق إنتاجه تاريخياً، مع إنشاء الشعر العربي لوازنه الفراهيدي ببحوره الإيقاعية الست عشرة منذ أكثر من (1600) سنة؛ لأسأل:

مالذي يُجبر المُبدع العربي على "تبييء" هذا النوع (الياباني) الصرف، وإنشاء مُقارب له عربيّاً، وهو الفن الموزون بصرامة بمقاطع لا توجد إلا في لغة (مقطعية) كاللغة اليابانية، وهو ما عرف بوزنه (5– 7- 5)، والذي لا يتعدى بمفرداته العشر كلمات، تعتمد بالدرجة الأولى على المشهد، حيث يعتمد الهايكو على مشهد واحد، لكن لا يتسع لأكثر من مشهدين، حيث يُشكّل أحد المشاهد خلفية للآخر..

 وليس أقرب لفن الهايكو الياباني من أنواع إبداعية في العالم العربي أكثر من (موّال العتابا) السوري، الذي هو الآخر مُقيّد بشروطٍ وزنية إيقاعية صارمة كأحد أنواع الزجل، والتي هي الأخرى موزونة على إيقاع ست عشرة بحراً، ذلك الموّال الذي يقوم على ثلاثة أشطر مسجوعة، بمعنى تنتهي بذات المفردة، لكنها المُختلفة في المعنى، ثم لتُقفل بخاتمة سطر ينتهي بالباء الساكن حصراً..

وأعود للسؤال: مالذي يجعل العربي، أو الكاتب العربي، يستعير نوعاً إبداعياً غريباً وأجنبياً، ليستطيب العيش بأقفاصه، وهو الذي ناضل لأكثر من مئة سنة ليتحرر من أقفاص الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد أيقن إن الشعر العربي العمودي الموزون وصل إلى استنفاد آخر جمالياته مع إكتمال دائرة شعراء الكلاسيكية الجديدة في بدايات القرن العشرين، ومن ثمّ ليُنتج شكلاً جديداً في الشعر، وهو (قصيدة النثر)، أو الشعر الحر، كما يُفضل بعض النقاد التسمية، والتي أثبت كتّابها خلال قرن من الزمان بعد عبورها برزخ (قصيدة التفعلية)؛ إنّ الشعر لا يُمكن أن يشيخ عند العرب، وسيبقى – على ما يبدو – إلى أبد الدهر إبداعهم الأصيل والوحيد، وهو ما أبدعوا فيه أكثر من أي جنسٍ إبداعيٍّ آخر..

 مع أنّ الكثير من العارفين بفن الهايكو؛ يؤكدون على أنّ لا وجود للهايكو إلا باللغة اليابانية، وذلك لأن لغتهم مقطعية ويجب أن يكون مؤلفاً من (17) مقطعاً مرتبة في ثلاثة أسطر: (٥-٧-٥).. كما أن في كل قصيدة كلمة تدل على الفصل الذي كتبت فيه، أو قد تأخذ منحى تهكمياً أو ما يُطلق عليه (سنريو)...

وأخيراً أختم بهذه (البيتين): عتابا وهايكو:

موّال

عا داري مر  يا ولفي تلفيك؛

بذراعي الأيمن الأيسر تلفيك،

ومهما كان يا جسمي تلف فيك؛

بتشفى عند ضمّ الآحباب.

هايكو

ثلاثُ تفاحاتٍ وقنديل؛

"طبيعة صامتة"

لوحةٌ في ضوضاء المزاد العلني.