"تجليات شهرزاد" تجليات الحياة فنياً و جمالياً.. حميمية القص و حضور المكان كأحد شخصيات القصص

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس: 
تجليان اثنان يضمان قصص هذه المجموعة كدفتي كتاب، فالتجلي الأول كان القصة الأولى، و التاني في القصة الحادية عشر، و ما بينهما عشر قصص و حياة.
العنوان لم يأت عبثاً؛ سيكتشف القارئ ذلك و هو يمضي في قراءة المجموعة، فتجليات شهرزاد قد لا ترتبط باسمها أحياناً، فالقص و الامتاع  و بالتالي السفر عبر الزمان و المكان هو من تجلياتها أيضاً.
تبدو شهرزاد في التجلي الأول غير حقيقية، فهي تتجسد من الموسيقا، موسيقا شهرزاد لريمسكي كورساكوف، في هذا التجلي شهرزاذ لا تجيد الكلام،  لكنها تقوم بما يتجاوز الحكاية، بحضورها الأثيري و إيحائها. بينما في التجلي الأخير، تحضر حقيقية من لحم و دم، في مدي العين و القلب، و مع ذلك هي لا تُطال إلاّ كطيف تنزّل من حلم، و هذا يجعل الأمر أكثر إيلاماً.
في كل قصص المجموعة، الشخصيات دائماً قيد الحركة، كأنها تعبر المكان أو تتوقف فقط في نقطة بما يستغرق زمن القص و يحدد المكان، و هذا ما أوجد علاقة متواشجة أكثر بين الزمان و المكان تصل إلى درجة التماهي أحياناً، فـ(جبل النار آتشكاه) هو مكان و يمكن اعتباره زماناً لا يقاس بالساعات، زمن جبل النار المستمر طالما هو قربه أو تحت أنظاره.  
و المكان في القصص ليس وعاءً و خلفية للحدث، بل هو في تفاعل معه، حتى أنه يبدو في بعض القصص و كأنه شخصية من شخصيات القصة، كما في قصة "العرض الأخير" حيث المكان يتبدّل بين المسرح و المقهى و الشارع. ففي المسرح تبدو العلايقية بين الخشبة و الصالة و شخصيتي القصة، هذه العلائقية التي تتمخض عنها أحداث القصة.
يلعب المكان في هذه القصة دوراً أساساً في طبيعة العلاقة بين الرجل و المرأة - شخصتي القصة الأساسيتين- فهذه العلاقة تتبدّل و تتغير من المسرح حيث تكون المرأة في طور المتلقي المتأثر، إلى المقهى حيث تتبادل الدور مع الرجل، حيث يأخذ هو هذا الدور،  ثم الشارع الذي يفصل بينها بعادية الحياة و قساوتها، جتى أنها – المرأة - تبدو و كأنها لم تكن، و هي تغرب في الزحام.
يبدو حضور المكان أقوى في قصة "دمعة في موسكو" حيث يدحض هذا المكان المفاهيم و الأحلام السابقة، و في قصة "وجوه عابرة" حيث المكان ليس حيزاً جغرافياً، بل هو رسام خائب.
الملفت في المجموعة هو ذلك الأسلوب في القص، التي خلق حالة من الحميمية بين القاص و المتلقي، و هو ما اشتغل الكاتب على بنائه بمهارة و ذلك بالبوح و الإسرار، في الحوار بين شخصيات القصة، و في الخطاب  القصصي، بحيث نجح الكاتب في زج القارئ في سيرورة الحدث، إلى درجة أن يشعر بها و كأنه شخصية من شخصياتها.   
في أكثر من قصة بدت الوحدة هاجساً لشخصياتها، و طالما أن الكاتب يشبه نصه وفق بعض النظريات النقدية، و أن الكاتب يتوارى خلف شخصياته، وفق نظرية أخرى،  فهو لا بد لديه هذا الهاجس، ففي قصة "العرض الأخير" تقول الشخصية الرئيسة في القصة: "إذن الوحدة هي التي دفعتها لفتح الحديث معي في قاعة المسرح المظلمة و الصامتة إلا من صراخ الممثل و هذيانه..".
و في قصة "وجوه عابرة" يقول الرسام: "ربما تقول عني ساذجاً لأنني أسأل هذه الأسئلة التي تظن أنها بسيطة، أو أن الوحدة أثرت في عقلي....
أماً في قصة "وقائع قبل النوم" فتبدو الوحدة حالة مريحة وفق ما ورد على لسان شخصية القصة حين قال: "ذات ظهيرة تمددتُ في وحدتي، تأملت من نافذتي التلال البعيدة، تمثلت أمام ناظري صورة طفل يسعى في شعابها...."
تضمنت بعض القصص محتوى فكري، و هو ما فرض أن يكون شكلها و بناؤها مختلفاً و بما يتناسب و هذا المحتوى كقصة "في حضرة ابن لكنك" و قصة "دمعة في موسكو" بينما قامت قصة "شجرة القتيل" المميزة على حدث دموي، هو ذبح عناصر تنظيم داعش الإرهابي لعدد من الأهالي، و بُنبت على شكل تداعيات تبدأ من هذا الحدث.
القصص أتت حيوية و مشوقة، بعضها يبدأ تشويقها من البداية، و البعض الآخر قد يتأخر تشويقها و ذلك وفق صيرورة الحدث، فبعضها تبدأ بالفعل مباشرة "اسمعني جيداً، وضعت الظرف أمامي.." في هذه القصص يبدأ التشويق مباشرة.
بينما في قصص أخرى يُمهّد للحدث بأفعال ناقصة "كنت وحيداً في المنزل، كان الرجل يصرخ، لم يكن قد مضى، كنت أعبر بسيارتي..." هذا ما وضع القارئ في حالة ترقب للحدث، و بالتالي أتى التشويق معلقاً إلى حيث البدء بالحدث.
و هناك قصص بدأت بشبه جملة "في كل يوم، عندما لمح تمثال لينين..." و هذا ما أخّر زجّ القارئ في الحدث.
ابتعدث المجموعة عن اللغة القاموسية، و عن القصة الذهنية التي تقترب من الإفتراضية، حتى أنها تبدو أنها تحاكي الحياة بتقلباتها بشكل فني جميل.
يميز المجموعة تنوع مواضيع قصصها، و تلك الحالة الحميمية في القص، و  الانتقالات و الاستطرادات في نصوصها التي أغنتها و لم تكن عبئاً عليها.
"تجليات شهرزاد" مجموعة قصصية؛ الكاتب: عماد الدين إبراهيم؛ صدرت عن الهيئة العامة السورية للكتاب، في 120 صفحة من القطع المتوسط، عام 2021.