في اليوم العالمي للفلسفة.. هل تتفلسف النساء؟
يحيى زيدو- خاص فينكس:
يُظهِر تاريخ الفلسفة النشاط الفلسفي و كأنه عمل ذكوري محض، و إذا ما تم ذكر بعض النساء الفيلسوفات فإن أسماءهن تسقط من الذاكرة لتتكرس مكانها أسماء الفلاسفة الرجال.
فهل المرأة غير مؤهلة للتفلسف؟ و لماذا أبدعت النساء في الطب و الهندسات و العلوم و الآداب و غابت عن الفلسفة؟
باستثناء "حنة آرندت" و "سيمون دي بوفوار" و "روزا لوكسمبورغ"، قد يصعب على الكثيرين من المهتمين بالفلسفة في الثقافة العربية أن يتذكروا أسماء نساء تفلسفن، أو أبدعن نصوصاً فلسفية خاصة برؤية منهجية. ربما يضيف بعض المشتغلين بالفلسفة من أساتذة الجامعات بشكل خاص، أسماء فيلسوفات أخريات أمثال: "سوزان لانجر-سوزان ستبنج- جوديث بتلر- هارييت تايلور مِل (زوجة جون ستيوارت مِل)- جوليا كريستفا- مارثا نوسنباوم.." و غيرهن، لكن معظم أولاء الفيلسوفات غير معروفات بشكل جيد للقارئ العربي لأن معظمهن لم تتم ترجمة أعمالهن.
إن التاريخ الذكوري للفلسفة لا يمكن أن يحجب مساهمة المرأة في تطور الفلسفة المبكرة، فقد لعبت نساء "فيلسوفات" دوراً هاماً في هذا السياق، يقول أرسطو: "إن فيثاغورث استقى جزءاً كبيراً من آرائه الأخلاقية من السيدة تيميسوكليا". و الحقيقة أن تاريخ الفلسفة القديمة يذكر أسماء عدد من النساء اللواتي تفلسفن، و قدمن مساهماتهن الخاصة في الفلسفة مثل: "لوثيانو" تلميذة فيثاغورث و زوجته لاحقاً، و "إسبازيا" التي ناقشت سقراط، و "ديمونيا" معلمة سقراط، وصولاً إلى الفيلسوفة اليونانية "هيباتيا" التي قتلها رعاع الكنيسة في الإسكندرية، و لا يمكن إغفال بعض نساء آسيا ممن عملن في الفلسفة مثل الهندية "جارجي فاكافنافي".
صحيح أن إسهام المرأة في تاريخ الفلسفة لم يكن كبيراً، لكنه يثبت قدرة المرأة على التفلسف حين تتاح لها فرصة مساوية للرجل. لقد ساوى "أفلاطون" بين الرجل و المرأة من حيث الكفاءة العقلية، لكن للأسف فإن وجهة نظر "أرسطو" في تفوق الرجل على المرأة من هذه الناحية هي التي سادت، و هي الفكرة التي تلقفتها أوروبا في العصور الوسطى، و صاغت عليها تصوراتها الأنثروبولوجية التي تم تدجين عقول الرجال و النساء-على السواء- بها؛ فالمرأة وفق تلك التصورات كائن لاعقلاني، عاطفي، مزين بذكاء وجداني يخالف المنطق العقلاني الحسابي القائم على معادلات الأشياء، و تناسب المعاني، و تلازم الإسنادات المألوفة بين الوقائع و الدلالات.
من هنا فإن النساء ربطن مقامهن الفلسفي بتصورات أوروبا الوسطى التي كرست الثقافة الذكورية، و جعلت من المرأة حارسة لقيم الذكورة و التفوق الذكوري. لكن النساء بدءاً من ستينيات القرن الماضي أدركن علة ضعف أثرهن في الحقل الفلسفي، و ربطن ذلك بالتصور الأوروبي القروسطي عن المرأة. و وجدن أن معالجة ذلك لا يكون بالإنتاج الزائد للنصوص الفلسفية، و السعي للحصول على المناصب الجامعية، لأن المشكلة تنبثق أساساً من التصور الذكوري البطريركي الذي يعارض التعليم الفلسفي المنبني على الحدس الأنثوي العصي على كل إمساك منطقي. لذلك توجهن إلى محاولة تفكيك التناقض الداخلي بين الدعوة للفلسفة و بين خصوصية المرأة، بهدف تغيير بنية التفكير الفلسفي كعمل ذكوري، أو تغيير هوية الفلسفة من خلال التركيز على قضايا "الجندر" أو و النوع الإجتماعي.
و فيما بعد توسعت مروحة اهتمامات النساء المشتغلات بالفلسفة حتى شملت محاور سياسية و اجتماعية و أخلاقية، بالإضافة إلى أشكال الفاعلية الإنسانية، و فلسفة العلم "الإبستمولوجيا" حيث تتساوى عقول النساء و الرجال في النظر إلى قضايا العلم و مشكلاته.
ربما تخشى بعض المشتغلات بالفلسفة من الاتهام بأن الفلسفة تكسبهن صفات ذكورية، لكن الفيلسوف (رجلاً كان أم امرأة) هو صاحب منهج و مبدع، أما أستاذ الفلسفة فهو فإنه يكتفي بترديد أقوال الفلاسفة.
و بهذا المعنى فإن القليل من الرجال و النساء- على السواء- يتفلسفون في الثقافة العربية، أما الباقون فإنهم في أحسن الأحوال أساتذة فلسفة يرددون أقوال الفلاسفة.
تقول "ماري إلين ويث" في كتابها: (تاريخ الفلاسفة في العصرين اليوناني و الروماني): "كانت الفلسفة عالماً للمرأة، و قد حان الوقت لاستعادة هذا العالم المفقود".
العالم يعول كثيراً على هذه الإستعادة كي لا يبقى عالم الفلسفة حكراً على الذكور.