آثار قلعة "حلب" تبوح بأسرارها

تقرير: زهير النعمة - حلب - فينكس

تعتبر مدينة "حلب" واحدةً من أقدم المدن المأهولة بالسكان، ويعود تاريخها إلى سبعة آلاف عام، وكانت عاصمة للدولة العمورية "يمحاض" التي وجدت في القرنين الثامن والتاسع عشر قبل الميلاد، وذكرت أول مرة بالكتب قبل حوالي ١٨٠٠ عام قبل الميلاد، تقاتل عليها الملوك باعتبارها مملكة الشرق، غزاها الصلبيون وعاثوا فيها الفساد، تعرضت المدينة لزلزال مدمر.

ومنذ القديم والمدينة تلعب دوراً تاريخياً مهماً في الحياة الإقتصادية والصناعية والزراعية والأدبية والثقافية والفنية والاجتماعية بالمنطقة، حيث أنها كانت تعتبر ممراً وإستراحة لأغلب القوافل التي تتجه جنوباً وشرقاً.

تم فتح المدينة بالعهد الإسلامي على يد "أبي عبيدة الجراح" و"خالد بن الوليد"، ومن أشهر آوابدها التاريخية الأسواق التجارية المتوازية والمتعامدة وكما يقال بالأمثال المعروفة ( مايباع في "القاهرة" بشهر يباع في "حلب" بيوم واحد) مما يدلل على نشاطها التجاري بالخانات، والتي كانت تعتبر آنذاك فنادق لإيواء القوافل القادمة إليها.

ومن أشهر آثار المدينة أبوابها التي لايزال بعضها شاهداً على عبق وتاريخ حضارة المدينة. وما تفخر به المدينة القديمة حيث تم تسجيلها على لائحة التراث العالمي لمنظمة "اليونسكو" في عام ١٩٨٦ بوضعها من أقدم مدن العالم قاطبة.

وعندما نذكر التاريخ والآثار لمدينة "حلب" لابد لنا من الوقوف طويلاً أمام قلعتها الشامخة عبر التاريخ والعصور.

جريدة "فينكس" زارت قلعة "حلب" والتقت مديرها "أحمد الغريب" الذي شرح لنا الكثير من الخبايا التي تنشر لأول مرة عن تاريخ قلعة "حلب"Open photo

فقال: «بنيت "قلعة حلب" في عام ٣١٢ قبل الميلاد من قبل "سلوقس" أحد قواد "الإسكندر المقدوني" وكانت قبل ذلك عبارة عن جبل بارتفاع ٣٠ متر، بنى فوقها إله الطقس "حدد" معبداً وصار محجاً لبلاد الشام، وما نشاهده من أنساق معمارية دفاعية وعسكرية عمرانية فهي من بناء "الظاهر غازي" ملك "حلب" أبن "صلاح الدين" والي المدينة عام ١١٨٦ م حيث قام بأعمال عمرانية عظيمة داخل القلعة ومنها تحصينها بشدة من خلال تعميق الخندق الدفاعي الذي يلفها وبنى لها سوراً من الأعلى بطول ٩٠٠ م وارتفاع ١٢م، وضمّ هذا السور ٤٤ برج مع المدخل الرئيسي من جهة الجنوب، وتعتبر القلعة مدينة داخل المدينة حيث ضمت العديد من المنشآت كقاعة العرش والقصر الملكي والحمامات والجوامع ومباني اقتصادية وسكنية.

وأضاف "الغريب": قُضي على الحياة في القلعة إبان زلزال عام ١٨٢٢ وكذلك بغزو "هولاكو" عام ١٢٦٠ و"تيمورلنك" عام ١٤٠٠م عندما حاصر القلعة عنوة لشدة تحصينها ولم يستطع الدخول إليها إلا بموجب معاهدة سلام وبعد دخولها قام بتدمير العديد من المنشآت العمرانية وقتل فيها الكثير من الأبرياء، وقام بعدها الأمراء المتعاقبون على "حلب" بترميم العديد من المنشآت ووثقوا أعمالهم بموجب نصوص كتابية حتى بدت القلعة بالشّكل الذي نراه اليوم والتي كانت قطب الرحى لطريق الحرير وعاصمة "يحماض" العمورية و"سيف الدولة الحمداني " و"المتنبي" و"أبو فراس الحمداني"».

ويتابع مدير القلعة "أحمد الغريب": أهم الأقسام الموجودة بداخلها قاعة العرش مكان إقامة الحاكم وهي بطول ٢٦.٥م وعرض ٢٣.٥ م، وزودت بتسع قبب في سقفها وبعد الزلزال الذي أصاب المدينة تحولت القاعة لمكان مهجور وقامت بعدها السلطات الآثرية بالترميم بسقوف من الأرابيسك، ومايميز القلعة وجود الأنفاق السرية التي تربط القلعة بالأحياء المجاورة، وذلك لتأمين والغذاء لحامية وسكان القلعة، وتمّ حفر آبار عميقة "الساتورة" لتأمين المياه التي ربطها "الظاهر غازي" بنبع "عين حيلان" حتى لا تخشى القلعة العطش عبر التاريخ، وهناك معلم هام يسمى "حبس الدم" وحوله "الظاهر" لسجن الأمراء

وكذلك جامع "الأيوبي" والذي يتميّز بمنارته المرتفعة ويضم أثر لنبي الله "زكريا" داخل القبلية وتم نقل هذا الأثر إلى الجامع الأموي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. وأيضاً جامع "نور الدين الزنكي" والذي يعتبر من أهم المواقع داخل القلعة وله محراب خشبي جميل تمت سرقته من قبل القنصيلية الفرنسية التي كانت تقيم بالقلعة إلى "باريس" وهناك "القصر الملكي" حيث سمي دار الذهب وزينت جدرانه باللوحات والتماثيل الجميلة

وأيضاً الحمام الملكي وهو نموذجاً للحمامات في العصور الوسطى.

ودخل إبراهيم باشا إلى "حلب" قادماً من " مصر" وبنى داخل القلعة الثكنة والطاحونة العثمانية في عام ١٨٣١ م.

وفي عام ١٩٨٠ تم بناء المسرح الفني فوق سفح القلعة بشكل نصف دائري وذلك بغية التفاعل الفني والثقافي وإحياء شعور الإنتماء لهذا الموقع الحضاري.

تعود أهمية القلعة كونها تحمل الهوية للعمارة الحربية والعسكرية من خلال وجود مفردات لهذه العمارة وسقاطات لصب الزيت المغلي فوق الغزاة والتنوع الخصب لمرامي السهام على محيط القلعة كما أن العديد من الأفرازاتOpen photo المعارية تم أقتباسها ونقلها إلى الغرب عبر أمراء الأفرنجة كونها تشكل نموذجاً معمارياً فريداً بالبناء.

تقدر المساحة الكلية للقلعة ب 7 هيكتارات مربعة لذا تم توصيفها واعتبارها أكبر قلعة في العالم بنيت داخل المدن، وتميزت القلعة قبل الأزمة بجذبها للسياح من مختلف أصقاع العالم ومن جديد بعد تحرير المدينة بدأت تعود الحركة السياحية إليها من جديد.

سياح يعشوق زيارة القلعة

التقت جريدة فينكس بعض زوار القلعة بتاريخ 5/1/2022 والتقى "فاضل شبارق" طالب سوري في "أميركا" وأحد زوار القلعة: لم أجد في كل دول العالم مثيل "لقلعة حلب"، الكثير من الأمريكيين يسمعون بعظمة قلعة "حلب" وأنا أشرح لهم أهميتها وأطلعهم على خريطتها وصورها ويتمنون زيارتها.

وأضافت المهندسة "هبة دهان": أزور القلعة بشكل سنوي وكلما زرتها أكتشف فيها أشياء جديدة لم أكن أعرفها من قبل إنها حضارة عظيمة.

أما طالبة الطب "ريم كزوم" فتحدثت قائلةً: أحب قلعة "حلب" كثيراً وأشعر بعظمة وكبرياء من بناها ومن حافظ عليها هي مدينة متكاملة بكل شيئ أحبها مع أحياء وأسواق المدينة القديمة.

"أدوارت" سائح روسي وصل المدينة ضمن كروب سياحي وقال لفينكس: هذه المرة الأولى التي أزور بها قلعة "حلب" ،هي رائعة بكل المقاييس في هيكلها وبنائها الجميل، وأحتاج لأكثر من زيارة لها لكي أتفحص معالمها جيداً،Open photo وقد زرت أغلب القلاع بالعالم لكنني لم أشاهد بضخامة وحجم "قلعة حلب" إنها عظيمة.

"حلب" من أقدم المدن عبر التاريخ مليئة بالشواهد المعمارية الجميلة التي تدل على عظمتها ومكانتها بين حضارات العالم، فذكرها مرتبطٌ بأثارها وأسواقها وخاناتها وأبوابها العشرة ولا ننسى أهم معالمها تلك القلعة التي صمدت أمام كل التحديات والظروف لتبقى شامخةً ولتبقى أثارها شاهدةً على عظمة الأيام التي مرت عليها.