طه حسين... والشك

أحمد غانم- فينكس:
الشك يسبق اليقين. أي أنه يدفع لوضع الأسئلة والبحث عن الأجوبة. ولعل الشك من أهم العوامل التي تجعل التفكير متوازناً. وبغياب الشك يغيب التفكير ويسود الاعتقاد. فالشك يشبه في جانب منه القلق الوجودي الذي يخلق توتراً فكرياً وبحثاً دائباً عن أجوبة للأسئلة التي يراكمها. وهذا القلق هو الذي يجعل العقل دائم التحفز والتوثب إلى الأمام في المجهول لاكتشافه.
الشك إذن ليس خاصاً بفرد بل هو سمة للعاقل منذ بدء التفكير البشري. ولكن الشك المنهجي سجل باسم ديكارت وهذا حق من حقوقه الفكرية. إلّا أن حكاية ابراهيم وشكه بظواهر الطبيعة في أن تكون هي الإله تشير الى منهجية في التأمل العقلي والشك بقدرة هذه الظواهر على التحكم بمصيرها ما دامت تسير دوماً وفق نمط أو مسار ثابت كشروق الشمس والقمر والنجوم وغروبها وغيابها الآني.
وشك الغزالي قبل ديكارت بخمسة قرون، ولكنه عاد وسلّم دون أن يستكمل نشاطه العقلي.
أما طه حسين فقد قال بالشك المنهجي ومارسه على الشعر الجاهلي. فما الذي يؤكد لنا أن هذا الشعر لهذا الشاعر في غياب التسجيل والكتابة. فالرواة قد يكذبون. وحتى لو لم يكذبوا فإن الخيال والذاكرة لها نشاطها الذي يجعلها تحذف وتضيف.
والسؤال: لماذا قامت دنيا الفقهاء ضد طه حسين ولم تقعد؛ مع أنهم هم من سمى مرحلة ما قبل الإسلام في مجملها بالجاهلية وحاولوا أن يسلبوها أية مكرمة؟! ولم كل هذه الغيرة والحماسة للشعر الجاهلي وموثوقيته؟!
إن ثورة فقهاء أمة الاسلام ضد طه حسين ليس غيرة على الشعر الجاهلي بل خوفاً من امتداد الشك إلى موضوعات أخرى. فما هي هذه الموضوعات؟
لا شك أن طه حسين لم يصل إلى طرح الشك المنهجي بالوحي والنص القرآني جهاراً. و إن فعلها على طريقة ديكارت فلكي يصل إلى إثباته. إلّا أن خوفهم كان يتجه إلى موضوعات هم أنفسهم أول من يدرك أنها لا تمثل حقيقة ولن تصمد أمام الشك. وسأورد مثالين بإيجاز:
1_ الموضوع الأول: أبو هريرة. بعض المصادر تقول إنه عاصر النبي لمدة ثلاث سنوات. وبعضها يقول إن عمره كان ثلاث سنوات حين توفي الرسول. وفي الحالتين كيف تمكن من أن يروي عن الرسول مئات الآلاف من الأحاديث؟ والمشكلة الرئيسة في هذا الموضوع ليست هنا. فأبو هريرة لم يرد ذكره في أي مصدر تاريخي قبل عام 150 هجرية. وهذا يجعل منه شخصية وهمية تم اختراعها لاحقاً وفي ظروف محددة روّج لها ونسبت رواية الأحاديث إليه.
2_ الموضوع الثاني: البخاري. وليست المشكلة أيضاً في البخاري أنه كان أعمى ولا يجيد العربية مثله مثل مسلم و أنه في ثلاث سنوات قرأ وحقق 436000 حديث واختار منها "الصحيح"! بل في أنه لا يوجد أي مخطوط ينسب للبخاري. مما يشير إلى أن هذا بدوره من صنع مرحلة وجد أصحابها مصلحة لهم في صنعه وصنع مسلم وغيرهما.
وفي المثالين السابقين لا برهان على صحة الروايتين ولا بد من إخضاعهما للنقد العقلي والتاريخي لبيان مصداقيتهما.فإن شككنا في نسبة الشعر الجاهلي لهذا الشاعر أو ذاك كونه روي عنه رواية ولم يسجل فإن الأمر سينسحب على هؤلاء وغيرهم. كما ينسحب على جميع النصوص التي لم تتوفر فيها شروط الصدق التاريخي ولا تصمد أمام النقد والتحليل التاريخيين.
ويمكن أن نقدم أمثلة لا تنتهي. فكيف عرف الطبري أو ابن الأثير أو ابن كثير تاريخ الخلق من هابيل وقابيل إلى يومهم ذاك؟!

إن العنعنة لا يحق لها أن تكون شرعية كمصدر للتأريخ... وهذا ينسحب على جميع النصوص دون استثناء. وبالتالي لا بد من الشك بكل تلك النصوص التي تناولت تاريخنا. فالتناقض موجود حتى في كتابة السيرة النبوية التي بدورها لم تكتب قبل 150_200 سنة هجرية.