بعد خمسين عاماً على استشهاده غسان كنفاني يزداد حضوراً
عدنان بر حلو- فينكس:
بمناسبة مرور خمسين عاما على استشهاد معلمي ورفيقي، وجه لي الصحافي الفلسطيني الشاب واصل حميدة مجموعة من الأسئلة فكان الحوار التالي:
1- برأيك، ما الأثر الذي تركه غسان فيك؟
- كان غسان بالنسبة لي الرفيق والصديق والمعلم.. وهي صفات كانت مجتمعة، بل ملتحمة ببعضها.. كان يمكن القول إنه اكتشفني كصحافي وأعطاني الفرصة لأعمل كمحرر في مجلة "الهدف" التي كان رئيسا لتحريرها. لكن الأمر تعدى ذلك كثيرا فقد كان ثمة "كيمياء" خاصة سرعان ما صنعت منا رفيقين منسجمين يفهم أحدنا على الآخر بشكل لا مثيل له.

المدخل إلى هذا المستوى من العلاقة؟ كان الثقة التي منحني إياها منذ الأيام الأولى.. ثقة كبيرة جدا لا يعادلها إلا ثقة غسان بنفسه.. لم يمض على عملنا معا سوى أسابيع قليلة حتى دعاني إلى غرفته وكشف لي أنه مسافر في اليوم التالي إلى عدن، ثم قال إن هذا يعني أن تتولى في غيابي كل مهام رئيس التحرير وكذلك مهام الناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وامتد الأمر مذ ذاك على مدى ثلاث سنوات، لم يعترض خلالها أحد في الجبهة كلها على هذا الدور الذي رسمه لي غسان.. الدور الذي انتزعني من دراسة الكيمياء والرياضيات ليصنع مني صحافيا وكاتبا سياسيا.
أما الأثر الذي تركه فيّ فهو أنني عشت كل حياتي بعد ذلك وأنا أحمل رسالة الوفاء لغسان وللقضية التي عاش واستشهد من أجلها. غسان بالنسبة لي هو فلسطين وفلسطين بالنسبة لي هي غسان.
2- ما سر العلاقة بين غسان وبيروت؟
- بدأ غسان حياة اللجوء في دمشق، ثم انتقل إلى الكويت حيث بدأ نشاطه الأدبي وحتى الصحافي. لكنه انطلق في عالم الشهرة ككاتب وصحافي وسياسي (وقبل ذلك ومعه كمناضل) في بيروت.. ومن أجل فهم ما تعنيه العاصمة اللبنانية في حياة غسان ينبغي التوقف أمام محور رئيس في معظم رواياته، هو نظرته السلبية للهجرة الفلسطينية بعيدا عن محيط فلسطين. لقد كان يحاول في جميع هذه الكتابات أن يشير إلى الطريق المعاكس طريق التوجه نحو فلسطين لا بعيدا عنها. وهكذا كانت بيروت بالنسبة له محطة هامة جدا (جغرافيا ونضاليا) على طريق العودة إلى فلسطين. نعم كانت بيروت منطلقه في كل نشاطاته من أجل خدمة القضية الفلسطينية أدبيا وسياسيا وإعلاميا ونضاليا بكل ما تحمله كلمة نضال من معان. وتوج ذلك كله بالشهادة.
3- كيف كانت علاقة غسان بالأماكن؟ هل كانت هناك أماكن محببة إلى قلبه يتردد عليها بشكل دائم؟
- نعم؟ كان لغسان شغف كبير ببعض الأماكن التي تترك لديه انطباعات خاصة. هل ثمة رابط بين هذا الشغف وبين حرمانه من وطنه فلسطين؟ لا أستطيع الجزم وإن كنت أميل إلى وجود رابط ما.
كان غسان مدمنا على زيارة بعض الأماكن الريفية في جبال لبنان الساحرة. وكان يدأب على أخذنا معه في نهاية أسبوع العمل إلى بعض هذه الأماكن ومنها مقهى الصخرة في بلدة شملان الذي كان يتردد عليه قبل سنوات للانفراد والاستغراق في كتابة بعض رواياته. بالإضافة طبعا لبعض المقاهي البيروتية ك "شاليه سويس" و"الدولشي فيتا" و"الهورس شو".
4- لم يكن غسان فقط أديبا بل كان أيضا فنانا. حيث صمم العديد من البوسترات والشعارات للجبهة. حدثنا عن علاقته بالفن.
- فعلا كان غسان فنانا مرهفا جدا. وقد بدأ عمله في دمشق (وكان فتى) كمدرس لمادة الرسم في إحدى مدارس الأونروا.
ورغم انشغاله الدائم بالكتابة السياسية والأدبية ونشاطه الإعلامي في الجبهة كان يجد بعض (الشقوق) في وقته الضيق لممارسة هوايته كرسام. وقد تراكمت لديه مجموعة رائعة من اللوحات والرسوم التي نشر بعضها بعد استشهاده.
كما كان غسان عاشقا للزهور فكان يجد متعة كبيرة في العناية بحديقته الصغيرة المرتبطة ببيته.
5- كيف تلقيت نبأ استشهاده؟
- قرابة العاشرة من صباح السبت 8 تموز 1972 وصلت إلى "الهدف"، و(خلافا للعادة) لم تكن سيارة غسان هناك! علما أنه كان دائما يصل قبل جميع العاملين! ومع اقترابي من باب البناية فوجئت بالجميع يتدافعون على الدرج وهم يصيحون بي: لقد انفجرت قنبلة وأصيب غسان بجراح. انحشر الجميع معي في سيارتي الصغيرة وهرعنا إلى بيت غسان في الحازمية. كان هناك حشد كبير من الناس ومن رجال الشرطة. وما أن وصلت باب الدار حتى فوجئت بالرفيق زكي هلو (اليد اليمنى للدكتور وديع حداد وأحد تلاميذ غسان في دمشق) يصرخ بي بصوت عال: عدنان عدنان هذا غسان. وكان يحمل جزءا من جسد الشهيد (رأسه وبعض صدره ويد واحدة). ثم تقدم وورمى حمله بين يدي.. كانت لحظة غير معقولة. كدت أسقط أرضا لولا مسارعة بعض الرفاق إلى مساندتي للصعود بذلك "الحمل" على الدرج.. كانت لحظات قاتلة. متأكد الآن أنني لم أكن بكامل وعيي، لا أعرف كيف ارتميت على أحد مقاعد الصالون ولا كيف ومن أخذ بقية غسان من بين يديّ.. كل ما أعرفه أنها كانت اللحظات الأصعب في تاريخ حياتي.
6- كيف ودعت بيروت غسان؟
- ما تزال جنازة غسان في بيروت تذكر حتى الآن كواحدة من أضخم الجنازات في تاريخ لبنان إن لم تكن أضخمها جميعا.
7- بعد استشهاد غسان، كيف رأيت بيروت دون غسان؟
- منذ ذلك الوقت وحتى الآن وربما إلى زمن طويل لاحق. لا يمكن أن تكون بيروت بدون غسان. شهادة غسان شامة على جبين بيروت.. يعتز بها كل وطني لبناني أو عربي يعيش في لبنان. صحيح أن بيروت عاصمة الجمال والأناقة والسياحة والثقافة، لكنها أيضا وقبل ذلك العاصمة التي طردت المحتل الإسرائيلي بالقوة.. العاصمة التي تحتضن أضرحة غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار ومئات بل آلاف الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين والعرب الذين قضوا على طريق تحرير فلسطين..
8- لماذا ضمت بيروت جثمان الشهيد وليست دمشق حيث تسكن عائلته؟
- تجد الإجابة في الرد على السؤال السابق.
9- ماذا خسرت القضية الفلسطينية بعد استشهاد غسان كنفاني؟
- المعروف أن القادة الإسرائيليين الذين اتخذوا قراراهم بتصفية غسان كنفاني قد عللوا ذلك بالدور السياسي والإعلامي والنضالي الذي كان يمارسه غسان. هذا الدور الذي امتد على مساحة العالم وبشكل خاص في أوروبا حيث كان لنشاطه الإعلامي في الدول الاسكندنافية خاصة (وبمساعدة زوجته آني الدانماركية) أصداء واسعة جدا.. ومع ذلك أعتقد (وهذا ما كتبته مرارا) أنهم كانوا يعون تماما حجم الدور القيادي الذي كان غسان مؤهلا للعبه في المراحل القادمة، لا على صعيد الجبهة الشعبية فقط بل على الصعيد الوطني الفلسطيني بشكل عام. وكان غسان يقول دائما نحن الآن لسنا الثورة نحن نهيئ للثورة.
هذا الدور هو ما خسرته القضية، غير أنها ظلت وستبقى إلى زمن طويل تتغذى من عطاء غسان وحضوره المستمر.. وكنت قد كتبت بعيد استشهاده (وصدقتني الأيام والسنوات) إن لجميع الذين يغادروننا دويّ.. وهذا الدوي سرعان ما يتضاءل مع مرور الزمن، إلا مع غسان كنفاني الذي يزداد حضورا عاما بعد عام. وهذا ما يحصل بالفعل ففي كل عام ومع كل ذكرى نفاجأ بحضور لغسان كنفاني أكبر منه في الأعوام السابقة.
10- شعرت وانا أقرأ مقدمة كتابك بثقل الكلمات بسبب قلة وفائي وأنا من جيل لم يحضر النكبة ولا النكسة لكنه حضر الكثير من الخذلان حتى أننا اقتربنا من ضياع الأوطان، برأيك كيف يستطيع هذا الجيل الجديد أن يكون وفيا لغسان كنفاني ورفاقه؟ هل لديك أمل في جيلنا؟
- الأمل كله في جيلكم والأجيال القادمة. إنما ثمة حقائق لا بد من أن تعرفوها وتقتنعوا بها وتسيروا على هديها:
- آ: إن اغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني فيها، قد تما من قبل الدول العظمى التي كانت متحكمة بالوضع الدولي في حينه (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) وكان هدفها إقامة كيان غريب في وسط البلاد العربية يمنع وحدتها ويشكل تهديدا مستمرا لكياناتها يدفعها لإنفاق معظم إمكاناتها المادية والبشرية على جيوش متخلفة بدلا من إنفاقها في سبيل التنمية والنهضة والازدهار. والهدف المركزي هو منع قيام كيان عربي موحد وقوي في هذه المنطقة فائقة الأهمية على الخريطة العالمية. (صين أخرى في هذه المنطقة من العالم).
- كان هذا الكيان وما زال يحظى بالدعم والرعاية المطلقين من قبل وضع دولي تسيطر عليه الدول المذكورة ومن يلوذ بها من قوى ودول ودويلات في الشرق والغرب.
- تحاول الدول المذكورة أن تكرر العملية نفسها تقريبا مع الدولة الروسية الكبيرة من خلال دعم الدولة الأوكرانية الصغيرة وصولا إلى تدمير روسيا وتفكيكها.
- إن تبعية معظم الأنظمة العربية لهذه الدول الراعية للمشروع كانت وما زالت العامل الأول في مقومات نجاحه.
- ب: بناء على كل ما تقدم لا بد من الوقوف أمام وجه آخر لهذه الحقائق:
- إن الوضع الدولي ليس مسألة خالدة فالأمور تتغير بسرعة فائقة. ومن غير المستبعد أن نرى انقلابا كبيرا في هذا الوضع في فترة غير بعيدة.
- إن الأنظمة العربية التي تبدو مسيطرة حاليا على الأوضاع في بلدانها، هي في الحقيقة أنظمة هشة. وما من شك في أن انغماسها في عمليات التطبيع وافتضاح تبعيتها (بعد عقود من التستر بالشعارات الكاذبة) سيزيدان من هشاشة أوضاعها. فتكون أول ما تعصف به المتغيرات الدولية القادمة.
- حتى كبار المسؤولين في الكيان الصهيوني باتوا يتحدثون ويكتبون عن شكوكهم بقدرة كيانهم على الاستمرار! وآخرهم ما كتبه إيهود باراك وحتى وزير الدفاع غانتس قبل أسابيع قليلة.
بناء على كل ما تقدم يكون المطلوب من جيلكم والأجيال القادمة التمسك بالقضية الفلسطينية: كقضية حق أولا، وقضية مركزية للعالم العربي كله ثانيا، وقضية عادلة على الصعيد العالمي ثالثا (وقد بدأنا نرى تغيرات إيجابية سريعة وكبيرة جدا على هذا الصعيد).
لقد ترك لكم آباؤكم وأجدادكم ذخائر نضالية غالية جدا. ستبقى أمانة في أعناقكم إلى يوم النصر والحرية..
وأنتم أهل لها بكل تأكيد.
المجد والخلود لروح الرفيق والمعلم الشهيد الكبير غسان كنفاني في الذكرى الخمسين لاستشهاده.