الوجود واللاوجود والعدم
أحمد غانم- فينكس:
يسجل لنا تاريخ الفكر أن مقولة برمنيدس الشهيرة: "الوجود موجود واللاوجود غير موجود". وضعت اللبنة الأولى للمنطق الصوري. أي مبدأ الهوية أو الذاتية (آ هي آ). و وجهيه عدم التناقض والثالث المحذوف أو المرفوع. وبدون هذا المبدأ لا تستقيم قضية منطقية أو رياضية. وتابع أرسطو الرسالة فأسس المنطق الصوري وأكمله بصورته النهائية الرواقيون أتباع زينون السوري الأصل.
وعلى الرغم من التناقض في قول برمنيدس حيث جعل الوجود موضوعاً ومحمولاً في الوقت عينه فإن هذا التناقض هو سبب قوة المقولة وصحتها.
وشكلت مقولة هيراقليطس: الوجود موجود وغير موجود" في الوقت نفسه تكاملاً مع مقولة برمنيدس حيث أسست للمنطق الديالكتيكي. الذي أكمله بصورته الثلاثية المبدعة هيجل ثم ماركس. فالوجود متحرك ومتغير أي صيرورة تقوم على التناقض وليس عدم التناقض. فما كان موجوداً هو في الوقت نفسه غير موجود لأنه تغير. فالزمن لا يتضمن غير ما يأتي أي المستقبل وما مضى أي الماضي. أما الآن (الحاضر) فهو غير موجود. إنه الخط الوهمي بين المستقبل والماضي. هو كالنقطة الرياضية ليس له أبعاد بل نفترضه افتراضا ليكون بداية إنشاء رياضي (هندسي) ما. ولهذا لا تضيف النقطة بعدا على الإنشاء الرياضي. وهكذا الحاضر (الآن) لا يشكل بعدا زمنياً.
ولعلنا نجد اليوم الكثير من الناس ومعظم الفلاسفة إن لم نقل جميعهم يوحدون بين العدم واللاوجود وهذا خطأ كبير.
فالعدم مقولة زائفة وهو النقيض الأنطولوجي للوجود في نظرية المعرفة. تم اختراعه للخروج من مشكلة عجزوا عن الإجابة عنها وهي: من أين جاء الوجود؟
أما اللاوجود فهو نقيض منطقي للوجود وليس نقيضاً أنطولوجيا. فإذا كان اللاوجود غير موجود الآن فقد يوجد في أية لحظة. في حين العدم لا يمكن ان يكون مصدرا للوجود لأنه مفهوم خاو أو عنصر خاو كما يعبر المنطق الرياضي. في حين اللاوجود هو مصدر الوجود. فاللاوجود نقيض معرفي للوجود وليس نقيضا انطولوجيا له. ولعل اللغة وعدم الدقة في تحديد دلالة المفاهيم هي سبب الخلط بين اللاوجود والعدم. ومن يعود إلى معاجم العربية سيجد أن اللاوجود يفيد المفقود. وما هو مفقود موجود انطولوجيا وغير موجود معرفياً. وما هو مفقود يمكن أن نلقاه في أية لحظة. أي يصبح موجودا. فاللاوجود هو الوجود المخبوء معرفياً. ولعل مفهوم الخباء في العربية يشير إلى ان هناك ما هو مخبأ ولكن لا نعرف ما هو. وهذا هو الفرق بين الوجود بالقوة واللاوجود الذي يمكن أن نوضحه في منشور لاحق.
--------------
* مستوحى من كتابي قيد الطباعة "رؤية ميتافيزيقية جديدة"