سليمان العيسى.. الشاعر الذي لا يموت

تمّام علي بركات- فينكس:

في أحد اللقاءات التلفزيونية التي أجراها الشاعر اللبناني الكبير "سعيد عقل" -1912-2014-صاحب القصائد المتورطة حتى النخاع في حبه لدمشق، قال حينها بما معناه أن الشاعر السوري البديع "سليمان العيسى" 1921-2013- الذي تحل ذكرى وفاته في التاسع من آب سنوياً، وصف شعره بالجيد، وهذه واحدة من علامات الفخر، التي حملها "عقل" صاحب أهم القصائد في التاريخ العربي المعاصر، حتى مماته، معترفا ضمنيا، بالمنزلة الشعرية التي يتربع على عرشها نبع كسليمان العيسى، الرجل الذي جعل حتى المنشار، يضحك.
ورغم تقارب الزمن بين تجربتي كل من الشاعرين، إلا أن هذا لم يمنع شاعرا بحجم سعيد عقل وثقله الشعري والفلسفي والمعرفي، من قول كلمة الحق، عندما اقتضى قولها.
هذه شهادة شاعر بشاعر، وهي لم تكن بالأمر اليسير سابقا، فاعتراف كهذا، يحتاج إلى ثقة عالية بالنفس وبراعة نادرة في سكب الشعر على صفحة الزمان، وليس كما الحال اليوم، الذي اصبح الجميع فيه شعراء، دون أن يعترفوا بأي شعرية أخرى خارجة عن شعريتهم!.
إلا أن شهادة جمهور أخر، هي التي سعى "العيسى" لنيلها، باعتبارها أرفع الشهادات الشعرية، وأكثرا صدقا وحبا، وهي شهادة أن يعترف الطفل أيضا بذلك وليس الشعراء فقط، وهو –أي الطفل- اعترف وحفظ عن ظهر قلب، بعضا مما أبدعه خيال هذا الشاعر المجيد.
أجيال ربتها قصائد هذا الرجل الذي فتح عينيه على الدنيا في قرية "النعيرية"، الواقعة في لواء أسكندرون السليب، لترضعه ربات الشعر والعذوبة والرقة، كروما من الحبق والزيتون، ولتطعمه الطبيعة وجبة دافئة بعد ان ألقمته آيات الجمال، لقمة لقمة، من طبق سُكبت فيه سماء زرقاء ناصعة غيومها العابرة، وها هو عمود النور الواقف بين في الهواء حوله وحياله، يضيفه فنجان قهوة الفصول، جاعلا في قلبه عوالما من الجمال الباذخ الدلال، والحس الإنساني العميق، والقدرة على جعل واحد من أصعب الفنون قاطبة، في متناول وعي الأطفال الصغار، الذين سيحفظون كلمات قصائده ويرددونها وقد شابت الذوائب منهم، فما يعلق في الروح زمن الطفولة، يبقى على حاله حتى النهاية؛ مَن مِن تلك الأجيال لا يحفظ "بابا بابا يومك طابا/ دمت ربيعا دمت شبابا"؟ أو من منا لم يردد بينه وبين نفسه على الأقل "ماما ماما يا أنغاما، تملأ قلبي بندى الحب" وغيرها من أجمل ما قيل في شعر الطفولة.
سليمان العيسى ليس شاعرا قال كلاما مذهلا لجمهور من الصعب إرضائه ومضى، بل هو عرّاب أرواح هشة، صارت لا تجد الفرح إلا ضاحكا بين رفوف قصائده، تلك التي لم تزل عالقة في البال، كنواس يدق في عالم الأبد، إنه الشاعر الذي لا يموت.