عن الشاعر آرثر كرافان
علي بدر- فينكس:
الشاعر آرثر كرافان يقول إن الشعراء القريبين من الطغاة ومتملقي السلطة لهم أشكال موحدة، إنهم يشبهون تجار الجملة.
الوصف الذي أخذته أنا في تشبيه سامي مهدي. وهو ليس إساءة إنما توصيف، فهذا الشاعر كرافان الذي أصر طوال حياته على النقد القاسي والمفارقة هو من سلالة الكتاب الذين طوروا طوال حياتهم حساً نقدياً مدمراً للمثقفين الذين خانوا وظيفتهم الحقيقية: قول الحقيقة.
وأخذ يوجهه إزاء الباحثين عن درجة دونية في سلسلة خدام السلطة، أينما يوجهه يفوز بالضربة القاضية.
هاجم كرافان بلا رحمة أكثر الشخصيات الأدبية في عصره، فصنع كيمياء قوية تجمع بين النقد القاسي والمفارقة وفن الملاكمة. لقد كان ملاكماً حقيقياً وقد اشترك بأكثر من بطولة في فرنسا، وهذه الرياضة التي مارسها أثرت فعلا على كتابته صنعت في شعره نوعاً من الحماسة الباهظة، وبالرغم من كل الشهادات من دوشامب، وتروتسكي وبريتون كشاعر راء، إلا أنه بقي مسافراً قهرياً يتنقل من مدينة إلى مدينة، من باريس الى فيينا، الى براغ، إلى موسكو، إلى لشبونة وفي كل مدينة كانت ثمة فضيحة إزاء شاعر أو كاتب أو فنان خائن للحقيقة.

كان لا يراقبهم فحسب كان يطاردهم، كان محاضراً جامحاً، محباً للبشر وللحيوانات المشردة. أرستقراطي بدد أكثر ثروته على الفقراء. اشترى سفناً من أجل عيشهم وغرقت، وافتتح لهم مقاهٍ لكنها احترقت بسبب اهماله فهو يدخن ويحب الألعاب النارية وإطلاق الرصاص في الهواء حينما يسكر.
ثم يهرب ويهرب. يقول إنه يشعر بالغباء حينما يبقى في مدينة واحدة.
كان يهرب من العمر والشيخوخة والتعفن، تزوج خمس وثلاثين مرة، طردوه من برلين باعتباره غير مرغوب فيه لأنه سار وقد حمل أربع راقصات على كتفه، قال له مدير شرطة المدينة: "برلين ليست سركاً". كان فخماً طوله متران ووزنه اكثر من مائة كيلو غرام، جسم رشيق من العضلات القوية والكل يهابه. رجل لا يفزع، له صوت صائد أسود من الزمن القديم كما وصفه بريتون، بصق على رؤساء الوزراء الذين حضروا المعرض الاستعماري، دافع عن السود، عن النساء، عن الكلاب المشردة، عن القطط، طالب بوقف صيد الحيوانات في الغابات، كل نهاية أسبوع تنتهي حياته في السجن. حين ضرب وزيراً بريطانياً مرة واودعوه في السجن ثمانية أيام، سخر منهم قال لهم ماذا تعني ثمانية أيام لرجل نام أسابيع مع الفقراء تحت جسور لندن.
لا أعرف ربما في الثمانينات أو التسعينيات حلمت مرة أن أرثر كرافان يصل بغداد، وبجلس مع مثقفي العصر الزيتوني.