عن رومانيا و العراق
علي بدر- فينكس
تشابه الأحداث التاريخية في لقاء مع الشاعرة ألينكا بيرنا..
في الواقع قبل لقائي بروبرت دي كابلان كنت قرأت كتابه "انتقام الجغرافيا"، ما تخبرنا به الخريطة عن النزاعات القادمة، والذي صدر في العام 2012 عن دار راندوم هاوس، وفي الفصل الأهم والمعنون من "البوسنة إلى بغداد"، يذكر أمراً في غاية الأهمية وهو التشابه التاريخي الأقدم على الخريطة السياسية بين شمال الإمبراطورية العثمانية أي دول البلقان: صربيا، رومانيا، بلغاريا، البوسنة الهرسك، كوسوفو، الجبل الأسود، وجنوب الإمبراطورية العثمانية أي العراق وسوريا ولبنان، وفلسطين والأردن. كأثر من الآثار التاريخية للسياسات العثمانية لمراحل طويلة من الحكم، فقد عزلت السياسات العثمانية هاتين المنطقتين عن التطور التاريخي الذي حدث في أوربا الغربية والذي كان من الممكن ان يشمل شرق اوربا والشرق الأوسط لأسباب جيوسياسية كثيرة، حيث تشكلان وحدة ثقافية وجغرافية وتاريخية متداخلة. 

لكن المثير في أطروحة روبرت دي كابلان، أنه لهذه الأسباب، أيضاً، تتشابه هاتان المنطقتان بصورة مثيرة: الحروب الطائفية، العنف الأسود، الاستبداد، الاستعصاء الديمقراطي، الفساد والمحسوبية وإلى اليوم.
هذا هو الذي قادني في الواقع إلى زيارة البلقان في العام الماضي، وتنقلت في القطارات المحلية من مدينة إلى مدينة طوال شهرين، والتقيت بالكثير من الناس وبالكثير من مثقفيها، وهذا الذي جعلني أستكمل الرحلة هذا العام بزيارة رومانيا. ولروبرت دي كابلان كتاب مخصص عنها بعنوان "في ظل أوروبا: حربان باردتان ورحلة لمدة ثلاثين عاماً عبر رومانيا وما بعدها" صدر في راندوم هاوس في العام 2016، فسألته لماذا رومانيا؟ قال "لأنه أول بلد من الكتلة الشرقية زرته وكتبت التقارير عنه، كنت أوانذاك شاباً مغموراً ومفلساً، وعرفت منذ لك الوقت أهميتها، فهي الحد الثقافي اللاتيني مع الثقافات السلافية". وهذا واقع حال، إذ أنها من منطق آخر جزيرة لاتينية في محيط سلافي متشابك ومعقد.
و أنا أسير منذ يومين في محيط المدينة القديمة في بوخارست في شارع كاليا مشلور أرى أثر الأرثوذكسية واسع النطاق، ففي كل مكان مررت به، حتى في المقاهي وجدت الأيقونات المتأرجحة ذات اللونين الأسود والبني على الجدران المغمورة بالبخور مع بعض النقوش باللغة السيريلية وترانيم يوم الجمعة العظيمة التي تنشد باليونانية. وفي كل كنيسة دخلتها يوم الأحد بعد يوم من وصولي الى بوخارست وجدت العائلات في ظل الترانيم الرخيمة والكئيبة تحت الحس الإلهي الذي لا يقاوم حيث كل شاب وكل صبية يحمل منهما شمعة في غابة الضوء التي تصدرها شمعدانات الكنيسة كي تمحو الفروق بين الملاك والمعوزين.
في لقائي مع الشاعرة الرومانية الينكا بيرنا في مقهى سوربيا، في بوخارست، والذي يقع في المدينة القديمة، أدركت التشابه الغريب بين تاريخ العراق وتاريخ رومانيا. لا في الانتماء إلى الدولة نفسها "العثمانية" في مرحلة من مراحل التاريخ، ولكن حتى في المراحل المتأخرة والحديثة، الثلاثينيات والاربعينيات والثمانينيات والمرحلة الحالية بعد العيش في ظل عقود من التاريخ القسري من الإرهاب والفقر من نظام متحالف مع النازية إلى نظام شيوعي.
فتشرح بيرنا، وهي مثقفة استثنائية درست الفلسفة ودرّستها، تاريخ رومانيا على خلفية الضوضاء الأيديولوجية الحالية، على خلفية التقهقر المرحلي لقوى سياسية بعينها، وانحسار ثقافي لم يكن كذلك قبل الحرب العالمية الثانية، التشابه مع العراق هو التحول من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، ليس هذا وحده إنما ثمة وقائع سياسية آسنة وسط هذه البركة المتخلخلة منذ عقود من فشل الدولة، وأنا استمع لها على خلفية ضجيج المقهى تتصادى في ذهني احدث أخرى من العراق: اضطراب سياسات الأمة، البحث عن بديل ثقافي، ومن ثم الانخراط في التاريخ العالمي: حرب العام 1941 مثلا ما يطلق عليه بثورة مايس في العراق وما جرى في العراق من الناحية التاريخية هو ذاته ما جرى في رومانيا. التشابه في شخصيات الانقلاب العسكري، فالقائد أنطونيسكو الروماني شبيه شبها غير قليل برشيد عالي الكيلاني، خسارة الحرب نفسها، العراق أمام بريطانيا، ورومانيا امام روسيا، صعود المد القومي والتحريض ضد اليهود، ومن ثم الفرهود، حيث حدثت مجزرة لليهود الرومان قبل خمسة أشهر من الفرهود في العراق، في رومانيا اتخذ طابعاً أكثر قسوة، علقوا فتاة في الخامسة من عمرها على خطاف في محل جزارة وكتبوا عليه لحم الكوشر، وهنالك ما هو أهم انخراط أغلب المثقفين الرومانيين وتأثرهم بالحركة الفاشية مثل مارسيا الياد وأميل سيوران.

يورد كابلان في كتابه فصلا كاملا عنهم. لم ينته التاريخ، صعود الشيوعية فيما بعد، دفع الثمن الكبير إزاء خسارات وطنية، المرحلة الستالينية، ومن ثم مرحلة تشاشيسكو، الانخراط في الحرب الباردة، نهاية التاريخ الشيوعي وعصر الديمقراطية غير الليبرالية التي لم تحل مشاكل البلاد في ظل تدهور الاقتصاد وسياسة الاستهلاك والعولمة.
عدت في المساء إلى شقتي في المدينة القديمة، البرد بدأ مبكراً هذا العام، انحسر الصيف فجأة، وحلت نسائم الخريف الباردة حيث تتساقط أوراق شجر الدلب العملاقة امام نافذتي.