أشباح منتصف النهار

أوس أحمد أسعد- فينكس

"غرنيكا" الشعر العربي اليوم، كما يقول شاعرنا السوري الكبير "أدونيس" في توصيفه لنصوص الشاعر والمترجم المميز "عابد اسماعيل". وغرنيكا هي لوحة درامية شهيرة للفنان الإسباني الشهير بيكاسو تصور دمار قرية غرنيكا الإسبانية أثناء الحرب العالمية الثانية حيث أشلاء القتلى والضحايا تملأ المشهد التشكيلي لفضاء اللوحة... النصوص تعبر عن حالة الكائن الشعري وهو يعيش في قلب المأساة السورية.... ولا يجد ملاذاً سوى الحبر ليسطر به اعتمالات روحه المتشظية في تضاريس المكان.. وليعبر من خلاله عن خراب الدورة الدموية للأشياء والكائنات..
نصوص الشاعر تتناص مع غيرها بشكل قصدي مدروس وموظف بخبرة جمالية ومعرفية عالية مع نصوص الشعراء الحديثين والقدماء، لتضيء عزلة كائن الكتابة واحتراقات روحه، وهو يرصد تهتك الآمال، واندحارها على عتبة اللاجدوى والعبث في هذا الليل الطويل.. ليل الحرب السورية النازف... إصدار دار التكوين/ دمشق.
تقول الناقدة الدكتورة "خالدة سعيد" في تقديمها لهذه النصوص: عابداسماعيل، في "أشباح منتصف النهار" يصف نصه بأنه: "ومضات حائرة بين النثر والشعر"، ينصهر فيها الحدث بالمخيلة و السيرة الذاتية بالفانتازيا..
شاعر يكتب أحلامه في متاهات مدينة تشتعل، تتأجح لوعته، يستنهض الصور الغاربة، يستحضر الأطياف و الأصوات و الأزمنة، يستدعي الوجه الآخر لملحمة الحياة... فلنقرأ وندخل في هذا الفوران الكاشف، لنتوغل في بهاء الملحمة..
هذه بعض المقتطفات منها.. والتي لاتغني أبداً عن قراءتها:
الشعارات في شارع الثورة تتداعى كالأشياء. لولا القراءة لجننت في هذه اللحظة.. لولا اللغة لاخترق الرصاص مخيلتي.
أيها المدجج بالمرايا احذر أن تطأ قدمك النجمة التي هوت على الرصيف. النجمة أيضاً روح ارتفعت ذات يوم إلى شاهق بلورها وهاهي تهوي الآن فوق ساحة الأمويين مضرجة بدمائها.
كان الخريف الذي أطلق سهامه المسمومة نحونا أصاب دهشتنا فذبلت عشبة على درج البيت.
نستل اسم الفقيدمن دليل هواتفنا.. أحياناً ننسى كل هذا ونطلب الميت خطأ على رقم سابق لم نجده، فنسمع الأبدية تطن في آذاننا..
سر الحرب أن لاتنتهي الحرب أبداً و أن لاينتظر أحد أحداً، و أن تبقى المعركة سجالاً بين ثورين يتناطحان على حلبة إلى مالانهاية..
لم أنجُ من المجزرة بسبب خوذة أو درع.. وقفت لأشعل سيجارة فنجوت.. ضغطت زر الولاعة فنجوت، انحنيت لأربط حذائي الضيق فنجوت..