بين الشعر و الشعير

فينيكس- هلال عون- خاص

الشعر الحقيقي - مهما كان نوعه - هو تلك الكلمات التي تغسل قلبك بعطر أخاذٍ، جديد، و تمنح عينيك بريقاً، و تجعل روحك في حالةٍ من الدهشة والتحليق بعيداً عن المألوف.
الشعر، هو تلك الكلمات القادرة على أخذك إلى مكان لم تتوقعه وإلى عالم لم تتخيله.
و الكثير مما يتم تصنيفه على أنه شعرٌ ليس بشعر، بل هو قبح مخرِّب للذوق، يشبه امرأة في التاسعة و التسعين من عمرها ترتدي الجينز وتشترك في مسابقات انتقاء ملكات الرشاقة و الجمال.
في كل تصنيفات الشعر ترى الزؤان الضار وترى أجمل السنابل..
فقد ترى في "الشعر" الموزون المقفى جثةً هامدة، بلا روح.
ومثال ذلك قول أحدهم:
البحرُ بحرٌ والنخيلُ نخيلُ
والفيلُ فيلٌ والزرافُ طويلُ.
أما الشعر الحقيقي فتراه مدهشاً، كقميص يوسف بين يدي يعقوب، لجهة القدرة على خلق صورة إبداعية، أو القدرة على خلق عدد الصور الإبداعية ورسمها بكلمات مكثَّفة لتشكل لوحة لم ترها عين الناظر من قبل.
ومن ذلك قول الشاعر:
[إن تكن شابت الذوائب مني فالليالي تُزيْنُها الأقمارُ].
أو قولِ الفرزدق:
[ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ]
أو قول الأعشى:
[غرّاءُ فرعاء مصقولٌ عوارضُها تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوَحِلُ].
وفي كثير من الشعر الحرّ تجد هذياناً ونماذج من أمشاج لا قوام لها، كقول " الشاعر - ح. س":
«خذوا الإوزة من عنقي
هنا عصر يسير عكس صنّاعه اليدويين.
على سرير توت عنخ آمون قلت:
أنت امرأتي التي كتبها الله لي
جرثومة الرعب آكله
لكنني سأضع قشدة على قشدة
في بقعة مجهولة سنحفظ الشرائط
حيث الباليه الذي اقترحناه على جذعين
خذوا الإوزة من عنقي»!
لكنك تجد أيضاً في الشعر الحديث، سواء شعر التفعيلة أو الشعر الحر ومضات ، أو صوراً، أو لوحات مدهشة تشبه قُبلة العاشق الأولى.
ومن ذلك قول محمود درويش:
[..وأعشق عمري لأني إذا متُّ، أخجل من دمع أمي]!
وقول شاعر روسي، وصل إلى أمه خبراً كاذباً عن موته في حرب العام 1917، فأرسل لها قصيدة، قال فيها:
...[عجوزي.. أنا لستُ سكّيراً إلى هذا المدى.. بحيث أموتُ قبل وداع أمي]!