كي لا تصبح "مكة" ضحية المتطرفين الإسلاميين و العلمانيين

نصر شمالي

ذكر القرأن الكريم: "قطعان من الأَنْعَام".. وذكر: "قناطير مقنطرة من الذهب".. وذكر: "الذين يكنزون الذهب والفضة".. فعن أي بلد وأي بشر تحدث القرآن في هذه الآيات؟..
هي آيات تتحدث عن مكة وأهل مكة ومحيطها.. تتحدث عن مكة الثرية، المركز العالمي المالي التجاري حينئذ.. وهذا لا يعني، بالطبع، خلو مكة حينئذ من الفقر والفقراء، فالفقر والفقراء موجودون حتى اليوم في أكثر عواصم العالم ثراءً.. لكن بعض المتدينين الورعين المتزمتين، وبعض العلمانيين الحداثيين الفهمانين، يصرون على تصوير مكة قبل الإسلام بأحط الصور! .. الأولون يحطون من شأنها، لصالح الإسلام حسب زعمهم!.. والآخرون يحطون من شأنها للحط من شأن الأمة العربية المعاصرة، ولصالح الحداثة حسب زعمهم!..
فهي كما يرددون كانت قاحلة خاوية موحشة، تعيش في ضنك على عائدات الكعبة بالدرجة الأولى، وأنها قبل الإسلام لم تكن شيئاً يستحق الذكر، لا اجتماعياً ولا اقتصادياً ولا فكرياً!..
إن هؤلاء المتدينون الورعون وأولئك العلمانيون الحداثيون، عن وعي وقصد أو من دون وعي ولا قصد، يلبون بطروحاتهم حاجة الأعداء للتقليل من شأن العرب تاريخياً، وبالتالي للحيلولة دون نهوض الأمة العربية اليوم..
وفي كتابه "اليمين واليسار في الإسلام" يقول الأستاذ أحمد عباس صالح: "كان للأحباش والروم والفرس قناصلهم في مكة، للقيام بشؤون بلادهم التجارية في تلك العاصمة التي شبهت بالبندقية في عصرها الذهبي..
وقد تطورت التجارة في مكة (قبل الإسلام) إلى درجة عالية من التقدم، حتى أن قريش عقدت معاهدات تجارية مع حكومات الروم والفرس والأحباش، وهي التي عرفت بالإيلاف، أي تآلف واتفاق وتعاهد أطراف قريش على الالتزام برعاية تلك المعاهدات.. لقد كانت مكة مركزاً تجارياً حراً تباع فيه السلع المختلفة، مثل أية منطقة حرة في العصر الحديث، وموقعها كان سبباً رئيسياً في أن جميع المعاملات التجارية كانت تعقد فيها بوصفها مركز التجارة في المنطقة عموماً، أي أنها كانت أشبه بالبورصة تحدد فيها الأسعار دولياً وتتم فيها المضاربات ويجري تبادل السلع إسمياً بين التجار والمضاربين، بينما السلع لا تزال بعد في المخازن أو في الطريق..
كذلك عرفت مكة الأعمال المصرفية، فعلى أوسع نطاق كان توظيف الأموال عملية سائدة، عن طريق القروض بالفائدة، وبضمانات مختلفة، وكانت هناك فوائد بسيطة وفوائد مركبة..
وكانت بضائع ومنتجات الدول تنتقل بينها عبر مكة بوساطة قوافل عربية يبلغ تعداد القافلة ألفي بعير، محملة بالبضائع النفيسة التي قيمتها مئات ألوف الدنانير، ومحروسة بقوة عربية كبيرة يقودها أدلاء متمرسون، ويصحبها خبراء في التجارة، ومترجمون ..الخ"!