بو علي ياسين
كتب عصام حسن:
اشتغلت في مكتبة "عين الزهور" لمدة ثلاث سنوات (١٩٩٠-١٩٩٣). كان موقع المكتبة بالقرب من جامعة تشرين وكان عملنا يعتمد بشكل أساسي على طلاب وطالبات الجامعة. وكنا نتعرض لمواقف نستطيع تسميتها بالطريفة الآن، إلّا أنها في ذلك الوقت لم تكن كذلك.
أذكر أن الربح المسموح به كان ١٢% للقرطاسية. و المكتبة في البداية تخصصت في بيع الكتب فقط. ثم لاحقاً دخلت القرطاسية والتصوير. وكان يأتي تاجر الشنطة (وهو من يبيع البضاعة المهربة ويدور على المحلات حاملاً بيده شنطة كبيرة مكتظة بالبضاعة. وطبعاً لهؤلاء من يشغّلهم ويزوّدهم بالبضاعة). وكان بوعلي ياسين صاحب المكتبة - و الغني عن التعريف - يرفض شراء البضاعة المهربة التي أسعارها أرخص من مثيلاتها في السوق. ويفضل الشراء من محلات الجملة مرفقاً البضاعة بفاتورة نظامية وطبعاً بسعر أعلى من أسعار المواد المهربة الموجودة في المكتبات المجاورة.
هكذا بدأت المكتبة تخسر رويداً رويداً. وكانت النكتة عندما اكتشفنا أن بائع الجملة نفسه يشتري من أصحاب الشنطة بضاعة مهربة ويبيعنا إياها على أنها نظامية، وبهذه الطريقة يربح ربحاً مضاعفاً. والنكتة الأخرى أتت على قدميها عندما التقى بوعلي يوماً وهو في طريقه إلى المكتبة بالمهرب صاحب الشنطة يمشي رفقة رجل التموين الذي كان يأتي إلى المكتبة ويفتش على الفواتير والأسعار ويبحث إن كنا نبيع بسعر مخالف.
للحق والعدل لم نعرف طبيعة العلاقة بين الرجلين، وهل جاء لقاءهما مصادفة، أم هو موعد على تقاسم الغنائم، أم مجرد لقاء عابر بين شخصين تجمعهما الحياة: ربما القرابة أو الجيرة أو سنوات الدراسة، أو ماشابه ذلك.
بو علي ياسين كان شخصاً ذكياً. ونبيهاً. والبعض يصفه بالعبقري، وكتبه في التأليف والترجمة في عدد كبير من حقول المعرفة تشهد على ذلك. إلا أنه أيضاً كان طيباً جداً وأخلاقياً جداً ومنطقياً وموضوعياً لدرجة أنه لم يسمح لنفسه باتهام رجل التموين بالفساد من دون أدلة دامغة كي لا يكون ظالماً بحق الرجل.
كانت مكتبة عين الزهور في ذلك الوقت المكتبة الوحيدة في محيطها التي تملك آلة تصوير "فوتوكوبي" وبقيت كذلك لعدة أشهر. كانت تلك الآلة تتميز بأنها قادرة على تكبير وتصغير الصور. لذا أصبحت المكتبة وجهة لطلاب هندسة العمارة ولكل من يحتاج إلى تصغير أو تكبير مخطط هندسي وحققنا أرباحاً جيدة جراء ذلك.
ثم جاءت الامتحانات الثانوية والإعدادية وبدأ الناس يطلبون منا تصوير "مصغّرات" ولم نفهم (بو علي، وأنا) عندما سألنا أحدهم لأول مرة عن هذا الأمر: ما المقصود بالمصغرات! وعندما شرح لنا الفكرة رفضنا فعل ذلك. وكنا في اليوم الواحد نُسأل عن هذا عشرات المرّات. وصرنا نقول "إن الآلة عطلانة". إلى أن انقطع السؤال فجأة بعد أيام قليلة و اكتشفنا أن هناك مكتبات قريبة منا نسبيا صار عندها آلات تصوير فيها هذه الميزة (التصغير والتكبير)، واستغربنا حين رأينا إعلاناً على واجهة إحدى المكتبات "عندنا تصوير مصغرات". وهكذا بدأت خسارتنا في التصوير، لأن هذا الأمر أثر على عمل آلة التصوير الطبيعي وعلى البيع عموماً بسبب توجه الزبائن إلى المكتبات الأخرى.
أخيراً جاءت الشعرة التي قصمت ظهر البعير وتحولت آلة التصوير إلى شبه ديكور في المكتبة حين بدأت المكتبات (معظمها) تأخذ ٧٥ قرشاً ثمناً لتصوير الورقة. بينما سعر التموين الرسمي كان ليرة سورية واحدة.
وكما يُقال "متى عُرف السبب بطل العجب". حيث تبين لنا أن هناك من يزود هذه المكتبات بمواعين الورق قياس A4 (وكانت الأكثر استخداماً) بأسعار رخيصة جداً لا يقبلها العقل. ولا يمكننا منافستها. والطالب الجامعي بالتأكيد سيذهب إلى الأرخص وهذا حقه.
لكن هذا "الأرخص" (كما عرفنا لاحقاً من أبطال العملية أنفسهم حين عرضوا علينا البضاعة) كان سببه مواعين الورق المسروقة من مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. وبالتالي يكون الربح مضمونا للسارق حتى لو باعها بربع سعرها في السوق. وكان الملفت للنظر هو الكميات الكبيرة والاستمرارية في تزويد المكتبات بهذه المادة. وهذا يعتبراً نهباً منظماً وليس سرقات صغيرة يقوم بها موظف فاسد هنا أو هناك.
طبعاً بوعلي رفض شراء الورق المسروق وصارت مكتبتنا أغلى من سواها وانفض معظم الزبائن عنّا. وكان بوعلي يضحك من قلبه (وبمرارة) حين يحدّث زوّاره عن هذا الأمر. وكان البعض منهم يلومه لأنه "لا يسوق مع السوق".
تركت العمل عند هذا الحد. وبقيت المكتبة تصارع الظروف مع بوعلي ومن جاء بعدي وتتحمل الخسارة تلو الخسارة إلى أن أخذ بوعلي القرار أخيراً بإغلاقها.
بعد زمن قصير أصيب بوعلي بمرض السرطان وتوفى عام ٢٠٠٠ عن ٥٦ عاماً. أي في عمر الإنجاز والعمل.
كان بوعلي كاتباً وباحثاً ومفكراً سورياً قلّ مثيله. وكان قد سافر إلى ألمانيا (الغربية) في أوائل الستينيات من القرن الماضي لدراسة الاقتصاد. ثم عاد إلى الوطن بعد الانتهاء من الدراسة وبما أنني لست هنا بصدد تأريخ مراحل حياته وتوثيقها لذا أختم وأقدم في نهاية هذا البوست - لمن يحب - قائمة بكتبه. تأليفاً وترجمة. طبعاً هذا غير مقالاته ومشاركاته في الصحف والمجلات المحلية والعربية.
المؤلفات:
1 ـ الثالوث المُحرم: دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي ـ 1973.
2 ـ القطن وظاهرة الانتاج الأحادي في الاقتصاد السوري ـ 1974.
3 ـ الأدب والأيدولوجيا في سورية (بالاشتراك مع نبيل سليمان) ـ 1974.
4 ـ السلطة العمالية على وسائل الانتاج في التطبيق السوري والنظرية الاشتراكية ـ 1979.
5 ـ حكاية الأرض والفلاح السوري ـ 1979.
6 ـ معارك ثقافية في سورية (بالاشتراك مع نبيل سليمان ومحمد كامل خطيب) ـ 1979.
7 ـ أزمة الزواج في سورية ـ 1979. والذي صدر في طبعة ثانية مطورة بعنوان : أزمة المرأة في المجتمع ألذكوري العربي ـ 1991
8 ـ الماركسية والتراث العربي الاسلامي (مُشترك مع عدد من المؤلفين) 1980.
9 ـ قراءة في وثائق الوكالة اليهودية في فلسطين ـ .
10 ـ ينابيع الثقافة ودور الصراع الطبقي ـ 1985.
١١ـ خير الزاد من حكايات شهرزاد: دراسة في مجتمع ألف ليلة وليلة- 1986.
12 ـ نحن والغير في السياسة والاقتصاد ـ 1990.
13 ـ عين الزهور: سيرة ضاحكة ـ 1993.
14 ـ على دروب الثقافة الديمقراطية ـ 1994.
15 ـ بيان الحد بين الهزل والجد: دراسة في أدب النكتة ـ 1996.
16 ـ حقوق المرأة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة ـ 1998.
17 ـ الأحزاب والحركات القومية العربية مُشترك) .
18 ـ أهل القلم وما يسطرون ـ صدر بعد وفاته.
١٩- شمسات شباطية ( تجميع وتوثيق وتبويب للطرائف والنكات)
٢٠ - قروشات عاشق خائب. لم يطبع.
كتب مُترجمة:
1 ـ المادية الجدلية والتحليل النفسي ـ فيلهلم رايش ـ 1980.
2 ـ الأزمات الاقتصادية ـ أوتو راينهولد ـ 1980.
3 ـ اصل الفروق بين الجنسين ـ أرز ولاشوي ـ 1982.
4 ـ الطوطم والتابو ـ فرويد ـ 1983.
5 ـ نمط الانتاج الآسيوي في فكر ماركس وانجلز ـ كارل ماركس، هلموت رايش ـ 1988.
6 ـ أوراق من الرزنامة ـ برتلود بريشت ـ 1992.
7 ـ مُستقبل الحياة في الغرب ـ غيرد غيركن، ميشائيل كونيستر ـ 2000.
8 ـ الموساد ذراع داؤود الطويلة.
------
الصورة بعدسة منذر مصري.