ساغان- باريس الحلقة الثانية
علي بدر- فينكس
حين توقف المطر ظهرت الشمس من بين الغيوم، باريس مغسولة ومضاءة بالشمس، الأرض مبللة، وقطرات الماء تتراكم على زجاجات السيارات مثل البللور، حين عبرت شارع السان جرمان دوبريه خلعت معطفي المطري وسرت حتى وصلت مقهى بروكوب. حيث جلست ساغان مرة مع المخرج بولانسكي، وقالت له:
أنا لست منتمية لأي حزب سياسي، لكنني ملتزمة باليسار.
كانت فرانسواز ساغان تجسد حياتها في رواياتها، وتمنح مغامراتها لأبطالها وبطلاتها، فمنحت صوتها وحياتها في باريس وعمرها ومغامراتها وتجربتها لسيسيل بطلة رواية صباح الخير أيها الحزن، ومثلما عاشت دومنيك بطلة رواية ابتسامة ما عاشت فرانسواز عامها الأول في جامعة السوربون كما اعترفت بذلك في مذكراتها، ومثلما عاشت فرانسواز بعد أن بلغت عالم المال والشهرة والمجتمع الراقي، عاشت بولا بطلة رواية "هل تحبين برامز" مغامراتها العاطفية، كانت بولا سيدة المجتمع الراقي، الثرية، الأربعينية قد سقطت بغرام روجرز الشاب اللامع الذي يصغرها بخمسة أعوام غير أنه لا يتخلى عن حريته أمام حبها حتى تتعرف على فيليب العشريني غير المجرب، الذي يحبها بشكل يائس، فتصور ساغان شعور المرأة الغامض، الشعور المسكون بالرهبة والهيبة، تصور التلقائية النضرة، بلغة بارعة تقف في منطقة وسطى بين براءة الأبطال وانحرافهم، تصور حياة الضجر واللذة الجامحة، عالم الارتعاشة الأولى للشباب في اكتشافهم لأجسادهم، وتبين التحرر السافر والمغشي في آن واحد.

فرانسواز التي عاشت عالم الأنوثة المباغت في أقبية السان جرمان، صورت في رواياتها ومسرحياتها أحلام الشعراء والطلاب على صخب الموسيقى والدخان، صورت ليالي الفنانين في مقهى فلور ومقهى بركوب، وامتلأت رواياتها بمشاهد السهر في الشوارع على رقصات البوجي بوجي، مشاهد الشباب وهم يستلقون على الرمال الذهبية في السان تروبيز، مشاهدهم وهم يهيمون بالخمرة والدخان في حانات باريس، لقد عاشت النحيفة الشقراء الهشة مثلما عاشت بطلاتها أعراض عصر ما بعد الحرب بعمق، كانت الوجودية دون ممثلين كبار، دون تجسيد مخلص حي، دون تشكل عميق، دون شحم ولحم ودم، فأصبحت ساغان هي الرمز الحقيقي والممثل لها على نحو صريح وإعلاني دون أن تفهم أو تريد، كانت السمة الضارية لعصر بأكمله دون تقليد فاضح، الشر الذي زال قناعه، الوعي بالخطيئة والمجاهرة المكشوفة بها.
لقد ماتت هذه اللصة القذرة والأليفة بعد أن شغلت طويلا عالم الكبار بارتعاشتها العذبة وصراحتها المخيفة.
*
من لم يحب ساغان في الصفحات المشوشة والمشاعر المضطربة لسيسيل وهي تروي حكاياتها في الفصول الأخيرة من مرحبا أيها الحزن، أو في تصوير عواطف دومنيك وهي تضطرب أمام الحب بمشاعر متناقضة تناقضا مذهلا في رواية "ابتسامة ما"، أو الأسلوب العشوائي المحزن وهذا الحب الذي لا يأكله النسيان في رواية في "يوم في شهر"، أو هذه الخائنة المتآمرة باولا، والوقحة إلى حد العبادة في روايتها الذائعة الصيت "أتحبين برامز"، أو الصراع الذي لا يلطفه الفن في رواية "غيوم بديعة"، وهذه الحركات الإغوائية والشيطانية والغرائبية بلا حرية بلا عدالة بلا يقين بلا بداهة بلا حقيقة بلا تسامح في رواية " بلا ظلال"، هذه الرواية التي تصور عالم الفنانين الذين يجتمعون كل يوم اثنين أثناء الشتاء، عند فراني وألن ماليجراس، الزوج الخمسيني الذي يسلّي في بيته مجموعة صغيرة من الممثلين والكتّاب الشباب، عالم الروائي الذي يقع في حبّ الشابة الغنية ويهمل زوجته، الممثلة الجميلة والطموحة بياتريس التي تصل إلى ألن ليلا فتسكر معه ثم تغوي ابن أخيه البريء، صفقات المنتج المسرحي الناجح، وحياة طالب الطبّ الشاب الصفيق الذي يكمل المجموعة المتحرّكة القلقة، براعة ساغان في تصوير حياة الفنانين ومشاهدهم وصورهم: وقفة رسام وهو يغوي موديلا في محترفه، صورة ممثلة تنعكس صورتها في المرآة، رائحة دخان التبغ في المنفضة أمام كأس من الكحول، لون الورقة المزهرة في غرفة نوم في فندق من الدرجة الثالثة في أحد شوارع باريس، الساعة الرابعة صباحا في شارع الشانزليزيه، حياة أول الفجر حيث يخرج الفنانون من الخمارات والملاهي قبل أن تبزغ الشمس على نهر السين، هذه هي عوالم فرانسواز ساغان الأليفة، الحب العظيم، الحب الذي يؤمن بالانفلاق والانشطار كما في مسرحية قصر في السويد التي مثلت على الأتلية في الستينات، الحب الذي لا يؤمن بالأصول ويتعالى على السرمديات كما في مسرحية ثوب فالنتين البنفسجي التي مثلت على مسرح الأوديون، أو الحب الممزوج بالضحك والتهكم كما في رواية "مزيفون هاربون" والتي تحكي قصة أربعة من الباريسيين العصريين المترفين، الذين يتمتعون بشيء من المكر والدهاء، وقد استوحتها من المجتمع الريفي المعاصر الذي كانت تعرفه تمام المعرفة.
هذه الرواية كتبتها ساغان بعد أن كسرت ساقها وهي ترقص على لحن لإحدى أغاني تينا تيرنر، فتعثر كعب حذائها بثنية البنطال، وسقطت على الأرض، هذه العثرة جعلتها تتوقف تسعة أشهر عن الحركة، وبعد أن تسلل الملل إليها يوم كانت ممددة على سطح يختها في مدينة (كان) أخذت تنسج أحداث روايتها الساخرة المسلية عبر أفكار وتخيلات أخذتها من الصيف الحار في العام 1940، عندما كانت القوّات الألمانية خارج باريس، وقد أخذ الباريسيون يهاجرون المدينة من الرعب، فرسمت ساغان بلغتها العذبة ملامح بطلتها لوس آدر، الصبية الحسّاسة التي سقطت بغرام برونو المتغطرس، وعلى الخلفية البرجوازي الذي يقرّر الهرب بشكل متأخّر، ديان ليسينج سيدة المجتمع المسنة التي ترافق الشخصيات الثلاث الذين يستقلون سيارة واحدة للهرب من باريس، ويتجمعون في الخط اللانهائي للاجئين الواقفين على طول طريق مترب خارج باريس.
براعة ساغان وهي تصور حياة الريف الفرنسي، وهي ترسم البراءة الساذجة للفلاحين والذكاء المحترف للنساء الخبيثات، براعتها في تصوير المشاهد الطبيعية كما لو كانت بيدها كاميرا: العربات وهي تسير في الطرقات المتربة، المزارع الصغيرة الممتدة، مشهد الشمس وهي تشرق على الحقول المرسومة بعناية فائقة، وهنالك القصص العاطفية على التبن في المزرعة، مهرجان الريف وشرب النبيذ، عوالم جديدة في حياة ساغان ونصوصها ورواياتها ومسرحياتها والتي تحولت كلها تقريبا إلى أفلام في السينما، لقد أغنت ساغان السينما الفرنسية برواياتها ومسرحياتها التي بلغت الستين، وقد مثل أفلامها كبار الفنانين، فصباح الخير أيها الحزن مثلته الممثلة الشابة جين سيبيرج التي انتحرت فيما بعد، وفيلم الهاربون المزيفون مثلته كاترين دينوف والتي مثلت أيضا فيلم الاستسلام، المأخوذ أيضا عن روايتها La Chamade والذي أصبح اسما لسيارة سباق أيضا.
*
فرانسواز كواريز، اسمها الحقيقي، سليلة البرجوازية الصناعية الكبيرة في فرنسا، المراهقة التي رسبت في امتحان البيكالوريا فأراد والدها معاقبتها بمنعها من الذهاب إلى المصيف ذلك العام فقضت صيفها في باريس، غير أنها كافأت العالم بروايتها الأولى صباح الخير أيها الحزن التي نشرتها دار بلون بعد شهر واحد فقط من قراءة الناشر لها.
صدرت الرواية في العام 1954، فتلقفتها الأوساط الأدبية والصالونات الباريسية والصحافة الأدبية وسلطت عليها الأضواء، كتب عنها سارتر غول الثقافة في العالم آنذاك في الفيغارو بأن فرانسواز ساغان وحش صغير جذاب وموهبة عظيمة، وفي العام ذاته ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وصدرت في أكثر من عاصمة في العالم، فاستقبلتها أميركا مثل الأميرات: فنادق ضخمة تستقبل أكبر الرؤساء والفنانين والأثرياء في العالم، سيارات ليموزين فارهة، قراء يطاردونها طلبا لتوقيعها، صحفيون يتابعون أخبارها، ندوات، حفلات، مشاهير، ممثلو سينما، لقد جمعت بعد عام أضخم ثروة، وباعت من كتبها أكثر مما كان يبيع سارتر أو كامو أو مارسيل بروست الذي أولعت به فرانسواز الصغيرة منذ كانت مراهقة.
لقد نفذت السينما أكثر أعمالها، وعاشت عالم المشاهير بحق، الإنفاق الباذخ، سيارات السبورت السريعة، القصور الفارهة، معاطف فراء المينيك، الولائم، الحفلات، الرحلات، سان تروبيز، فنادق اللوكس، حياة المجتمعات المخملية، ومشاكل البورجوازية الأنيقة المرفهة، مثل: الإدمان على المخدرات، التهرب من الضرائب، وفضيحة الرشوة التي تلقتها بسبب علاقتها بالرئيس ميتران. بعد ذلك فضائحها وهي المادة الصحفية المهمة، زواجها وطلاقها، قصص حبها العديدة مع ممثلين وكتاب ومخرجين وناشرين وطلاب، ومن ثم حياتها المدهشة المروعة: الإيقاع اللاهث لقتناء سيارات السباق، الجموح نحو المجازفات والمغامرات، شعورها بالضجر ومحاولاتها اليائسة للإنتصار على الزمن وترويضه عن طريق الكتابة والكحول وقيادة السيارات السريعة، فقد كادت أن تموت –مثلما مات جيمس دين الذي سقط بحبها-أكثر من مرة بحوادث السيارات، كوليت الصغيرة تعبر في كتابتها عن ازدواجيتها في حياتها وشعورها بالفصام، تعبر عن حقيقة جسدها كحقيقة كونية لا تستدعي وجها آخر تتوارى وراءه، هذه العابدة للرجل الذي يصعقها بسيل من الكلمات مثل البرق وهي تحبه بشكله المتعدد، وازدواجيته، بمآزقه وفخاخه، تفضحه لتحبه، تتآمر عليه لتعتقله وتأسره، تغويه لتذوب فيه، وتمنحه سحرها وخصوبتها.
*
هذه المقالة في تقريظ السيدات الصغيرات، بالكتابة عن فرنسواز التي ماتت وساغان التي ستخلد سعيدة كما كانت، مرفهة بين أيدي القراء، مشرقة ضاحكة مسكونة بحب لا ينضب، بعواطف لا تهدأ، بكتابة سافرة ضد الوجوه المتصلبة، ضد الأكاديمية الفرنسية وأصنامها الذكورية الجاحدة.