ذكريات عن سوريا بعيون روسية

د. نوفل نيّوف- فينكس

 "ذات يوم من أيام تموز الرائعة، تلك الأيام التي لا يمكن للمرء أن يراها إلا تحت سماء سوريّا، كنت أتنزه، وكتابٌ في يدي، على سطح دير عينطورة الشهير الذي يقع في واحد من أعظم الأماكن في العالم بمياهه اللانهائية في الهضبة والسفح، أُطِلُّ على الوديان الباذخة، والبساتين الغنية، وكروم العنب والتوت، والبحر المتوسط المترامي في فضاء لا يمكن للنظر أن يحيط به إلا من علوِّ ألفَي قدم. كانت الساعة حوالي الرابعة عصراً. وكانت الشمسُ تتألّق بكامل بريقها في بلدان الجنوب، وقبةُ السماء اللازوردية تشتعل بأوار حريق حقيقي من نور ينسكب دفقاتٍ مبهرةً خُيّل أنها تتحول إلى زبَد أبيضَ وهي تتكسّر على الأرض الكلسية اللون هنا. وفي الأسفل كان الهواء المصهور يغلي تياراتٍ بالمعنى الدقيق للكلمة، وتتراقص فيه بسرعة غير عادية شذراتٌ، كإبرٍ من نار، متخذة من أشعة الشمس المفتّتة شكل عصيدة متحركة. وفي الأعلى، على ارتفاع الدير، كانت برودة الجو كبيرة، ونسيمٌ لطيف يهبّ من البحر مفعمٌ بشذى الأعشاب العطرية التي تنمو في الجزء الأسفل من الجبال، يضفي على الجو طراوةً فاتنة. ولم يكن يعكّر هذا الجوَّ أثر لبقعة في أي مكان. فحتى دير مار يعقوب الذي يحتل عمق هذه اللوحة كان في هذا الوقت قد خلع عن كاهله معطفه الرمادي المصنوع من الغيم. ولمّا كنتُ منكبّاً على القراءة، ظللت مدّة طويلة لا ألحظ أي تغير في ضوء الشمس، وبغتة إذا بلونٍ أصفرَ باهتٍ ينسكب أخيراً على صفحات كتابي فيثير فضولي. وحين رغبت بالعثور في ما حولي على سبب لهذه الظاهرة، كان أول ما أثار دهشتي حشود من العرب، في ثياب زاهية الألوان، تتجمّع على المرتفعات القريبة. كان الناس يتراكضون من بيوتهم إلى الأسطح وأعالي الجبال، يظهر الاضطرابُ في حركاتهم وضجيجهم. كانوا ينظرون إلى الشمس، فوجَّهت ناظري إلى هناك ورأيت أروع كسوف يمكن للمرء أن يتخيّله. إنه ليتعذّر على المرء أن يرى كسوفاً يفوقه حسناً وصفاء حتى بواسطة المجهر. لقد كان قرص القمر داكناً، بنّيَّ اللون تقريباً، يرتسم بشكل بديع على قرص الشمس الأصفر الهائل المجرّد من الشعاع والبريق.
كان القمر، تابعُ الأرض، يحجب أكثر من نصف الشمس، والكسوفُ مستمرٌّ منذ ما يربو على ساعة ونصف الساعة قبل أن يعلم أحد في الدير بذلك. وكنت أول من أخبر سكان الدير بهذا الحدث الهام الذي في السماء. فاحتشد الجميع على السطح، وأمضينا ساعة ونصف الساعة أيضاً ونحن نراقب بإعجاب هذين الجرمين السماويين الهائلين اللذين كانا يريدان بتقاطعهما، إذا جاز القول، أن يبزَّ أحدهما الآخر بضخامته. كان الكسوف تاماً، وقد تكلّل هذا العرض الدرامي العظيم للكون في كل أجزائه بنجاح باهر لا يضاهى".
ذكريات عن سوريا. "سوريّا في رحلات روسية (القرن الـ 19)"
ترجمة د. نوفل نيّوف