"دفا جرايد"
تمّام بركات- فينكس:
إنها الثالثة صباحا، قال عماد وهو ينظر إلى عقارب ساعة الحائط تتحرك ببطء، كان الزمن أيضا قد بدأ بالتجمد داخل الغرفة.
من المستحيل الآن أن أجد ولو لتر مازوت واحد للتدفئة.
فكر بأنه يستطيع أن يطلب إلى جاره أن يعيره لتر مازوت لحين عودته من العمل، بعد أن رأى عمود دخان ثخين يخرج من جدار البيت المقابل.
كان الهواء يخرج دافئا من فتحتي أنفه ومن فمه، لكنه يصبح وكأنه غيمة ثلج صغيرة تسبح بتثاقل في فضاء الغرفة، تسيل عن أطرافها الدخانية خيوط ماء يتجمد ما أن يلامس هواء الغرفة البارد أنفاسه، التي كانت منذ قليل تصلح لتدفئة الكفين.
الكهرباء مقطوعة أيضا منذ أيام طويلة، وأنبوبة الغاز كانت قد فرغت منذ أسبوعين، عندما أخبرته زوجته بأن عليه أن يستبدلها، وكان حينها يهم بتناول الطعام، فتوقف كما لو أنه يؤدي أحد المشاهد السينمائية، هبطت يده ببطئ بينما راح يحدق في الفراغ أو ربما الهاوية، فتأمين أنبوبة غاز اليوم، أسهل منه تأمين المخدرات، حتى أنها أرخص ثمنا!
البرد يزداد شدة في الغرفة والأطفال نيام، كانت أجسادهم متلاصقة ببعضها البعض كما لو أنهم في العراء لا في البيت!
"يا الله سيتجمدون إن بقوا على هذه الحالة" قال ثم بدأ بجمع الملابس التي وجدها في البيت، وصار يرميها فوق الأجساد الصغيرة المرتعشة.
نظر إلى وجه ابنته كانت نائمة ،عيناها مغمضتان على أمنية، ربما هي سبب هذا النوم العميق الذي تقبض عليه عيناها في هذا البرد الذي يخترق العظام.
عاد ليفكر بالخيارات التي أمامه لجعل المدفأة تشتعل، هل ينزل إلى الشارع ويفتش عمن يبيعه هذه السلعة النادرة؟طرد هذا الخيار من باله، فما يوجد في جيبه من نقود لا يكفيه ثمن ربطة خبز.
"يا الله أعمل كالحمار كل يوم ولا استطيع أن أؤمن الدفء لأطفالي؟"
عاد للتفكير بمحاولته استعارة هذا الذهب المشتعل من عند جاره، لكنه سرعان ما “كش” الفكرة من أمامه.
كرامته المدماة، لا تسمح له بذلك، ومِن مَن؟ جاره الذي صار ببركة الحرب من أصحاب المدافئ التي لا تنطفئ، والكهرباء التي لا تقطع، والغاز الذي لا يختفي، والثلاجة التي لا تفرغ!
نظر عماد إلى أكوام الجرائد والكتب التي يحتفظ بها منذ أكثر من ٣٠ عاما، ثم بدأ بحشو فم المدفأة بأوراق الجرائد ليطرد أي احتمال يجعله يفكر بالكتب لتقوم بهذه المهمة.
الكتاب إرث حقيقي. قال عماد.
كانت الجرائد تشتعل بسرعة شديدة، وشيئا فشيئا بدأت المدفأة تشيع شيئا من الدفء.
بدأ يبتسم وهو يقرأ مقالاته التي كان كتبها منذ زمن طويل في بعض تلك الجرائد ،والتي كان قد قرر الاحتفاظ بها ليقرأها أولاده مستقبلا، قبل أن يرميها في ذلك الفم الأسود.
"أن يشعر الأطفال بالدفء الآن، أهم من ذلك العلاك، الذي ربما يكون الويل بعينه"
قال عماد وهو يفكر أثناء قراءته لما خط في تلك الصحف اليومية من مقالات، كان أمله كبيرا بأنها ستحدث فرقا في المجتمع، خصوصا وأنه كان يتحدث في تلك المقالات عن البؤس الطبقي الذي يحياه الفقراء في بلده.
بزغ الفجر وكان الإبريق الذي وضعه على المدفأة ليسّخن المياه، قد بدأ بإصدار أصواته التحذيرية بأن الماء على وشك الغليان، وأكوام الجرائد التي جمعها منذ زمن بعيد صارت رمادا يملأ قلب المدفأة شحارا من حروف محروقة، لكنها بقيت “حكي جرائد” والآن وجد لها استعمالا مفيدا، قهقه وهو يسميه بصوت مرتفع: "دفا جرايد"
قال لنفسه بإعجاب وهو يقرأ عنوان أخر مقال كتبه قبل أن يضع الجريدة التي تحويه في النار: أسلوبي تطور بشكل جيد. إنه راض عما صار عليه قلمه.
أما أطفاله فقد استفاقوا على صوت نحيبه المخنوق بدخان الجرائد الذي ملأ عينيه بقهر الرجال السائل.