"قربان قطرة ماء" مزج الانتماء بلغة السرد
فينكس- السويداء- معين حمد العماطوري:
لم تكن أحداث الخامس والعشرين من تموز عام 2018، أحداثاً عابرة في تاريخ جبل العرب، فإذا كانت احداث الثورة السورية الكبرى قد دونت معاركها في سجلات الذاكرة الوطنية والقومية، فإن أحداث معارك 25 تموز قد رسمت خارطة جديدة للمنطقة العربية، ويعود تألق وشاح الفعل لأبطال دافعوا عن الأرض والعرض ووضعوا الدواعش على مشانق الشرف والكرامة، ثأرا منهم ومن عداونهم المتسلل ليلاً على الاطفال والنساء والشيوخ العزل النيام.
لعل توثيق تلك الأحداث حملت في بواطنها الحافز للعديد من الكتاب والشعراء والأدباء برؤية ابداعية في تصوير وتحليل الوقائع، ورغم زحمة الميديا وتعدد وتنوع الأراء في التشخيص والتصوير، إلا أن الكاتبة سهيلة حسن صعب تصدت بطريقة توثيقية تدوينية بالصوت والصورة لانجاز عمل أغنت فيه المكتبة التاريخية والثقافية، ونقلت بلغة سردية مميزة لقاءات مع من خاض المعركة في قريتها "الشريحي" فعلاً وليس استعراضاً
وتخييلاً...
وتخييلاً...بحيث ما وثقته لأكثر من أربعين لقاء مزجت بين العامية والفصحى في نقله، بعيداً عن المنهج العلمي المتبع في تأليف الكتب بوضع أبواب وفصول وفهرس وغيرها... إلا أنها اعتمدت على العاطفة والاحساس الوجداني في نقل القارئ إلى الحدث بشكله الواقعي والتوثيقي الصادق ولم تجعل بعد المسافات بينها وبين الهدف إلا إصراراً وتميزاً في اظهار منجزها التي عنونته /قربان قطرة ماء/...
العتبة النصية:
حين نقرأ عنواناً يحمل دلالة لابد و أن نبحث في المضمر والمعاني المحملة على المدلول، فقد وضعت الكاتبة "سهيلة حسن صعب" عنوانها المولد من التنوع الدلالي، فالقربان هنا مقابل شيء، هل كان قرباناً روحياً أم مادياً؟
ثانياً هل القربان المترافق مع قطرة ماء تفي بالحياة و استمرارها؟
ثالثاً: اختيار الايقاع في العنوان "قربان قطرة ماء" تنوع ايقاعي هو رؤية لما تضمره الكاتبة في المحتوى؟
بالعودة الى العنوان نجد أنه جاء نتيجة فعل واقعي خاضته شخصيات هي هدف التوصيف الحصيف في اللحظات الحاسمة بين الموت والحياة واختيارهما على حساب الانتماء، وهنا أستطيع القول إن الكاتبة قد أحسنت في اختيارها للعنوان الحامل للشجن...
يقع الكتاب في أكثر من مئة وست وسبعين صفحة من القطع الوسط صادر عن دار العوام للطباعة والنشر، بحيث استهلت الكاتبة مقدمة تقليدية أرادت أن تكشف السبب والمسبب لها، بحيث ابتعدت عن المنهج والأسلوب والطريقة المتبعة علمياً بل انحازت الى تسارع الحس والاحساس والعاطفة والانتماء الى قريتها "الشريحي" التي رأت أنها لم تأخذ حقها إعلامياً في التوثيق للحدث البطولي رغم ان الدواعش كان هدفهم الأول الشريحي، وهنا بررت لماذا بدأ هجوم الدواعش على الشريحي، اضافة الى مجموعة قرى أخرى "رامي" و "الغيضة" و "الشبكي" و "دوما" و "المتونة" و "السويمرة" وغيرها؟
لعل قارئ كتاب قربان قطرة ماء يشعر بأهميته حينما يعلم أن موقع قرية الشريحي فوق مرتفع يطل على قرى مجاورة لها وتشكل مركز استطلاع عسكري هام في رسم الانتصار، والذي لو استطاع الدواعش السيطرة ربما تغيرت مجريات المعركة، ولكن فعل أهلها الأبطال كسر مخططاتهم فظلت شامخة بدماء شهدائها لتبقى أكبر مساحة جغرافية منصانة ومحمية...

وهنا أرادت الكاتبة سهيلة حسن صعب أن توثق حقيقة بطولات أهل "الشريحي" بعيدة عن العائلية، فضمت بين صفحات كتابها صور الشهداء وفعل الأبطال الميامين.
وبالتالي لابد أن نعترف أنها انتزعت الدمعة من واقعية سرد الوقائع، والاعجاب في إرادة النسوة في كيفية حفاظهن على عرضهن و أرضهن ملازمين رجالهم الليوث الكاسرة..
جاءت الكاتبة المغتربة سهيلة حسن صعب من بلاد الاغتراب تحمل في ضميرها الحي رسالة انسانية ولبداعية و أدبية تاريخية توثيقية، مستبدلة اطلالتها السياحية على جمال المكان والجغرافيا بتكريس وقتها وجهدها للتوثيق بالصوت والصورة كي تبرهن ان انتماءها لقريتها الشريحي هو انتماءها للوطن الأم سورية...
ويكون كتابها قد سد فراغاً لمرحلة زمنية تمعش الذاكرة حين الحديث عنها ومتعة في قراءة كتابها سرداً تصويرياً ولغة أدبيةوصوراً واقعية...