ليلة مع لوليتا.. خبرة قراءة نابوكوف فى الاتحاد السوفييتى
2023.03.13
د. أنور ابراهيم- القاهرة- فينكس:
فى شهر أكتوبر من عام ١٩٧٧ كان موعدى مع أول محاضرة فى تاريخ الأدب الروسي بمدرج كلية الآداب بجامعة موسكو ، بالمبنى الذى اعتاد الطلاب على تسميته "بالزجاجى"، وذلك بناء على توجيه المشرف على رسالتى، الذى رأى أن ما درسناه بالقاهرة فى هذا المجال غير كاف. مازلت أذكر العبارة الأولى التي افتتح بها الأستاذ العجوز محاضرته والتى لم أدرك مغزاها كاملاً فى حينه: "تاريخ الأدب الروسي هو تاريخ الكتب غير المتاحة للبيع على أرفف المكتبات". وعندما شرعت فى البحث عن أعمال الأدباء الكلاسيكيين الروس فى المكتبات، أدركت تماماً مغزى هذه العبارة. وعندها أشار على زملائى بالذهاب إلى شارع كوزنيتسكى، الذى يقع غير بعيد عن مسرح البولشوى الشهير من جهة ومعهد الاستشراق من جهة أخرى. شارع ضيق مرصوف بالبازلت، على جانبيه عدد كبير من المكتبات أرفها خالية تماما من الأعمال الكبرى للكتاب الروس، لكن الشارع نفسه يظل مزدحماً طول اليوم بهواة الكتب وتجارها. يروحون ويجيئون يحملون تحت إبطهم كتباً للبيع أو الاستبدال. إنها السوق السوداء، التى فتحت لى أبوابها على مصراعيها. تبددت حيرتى عندما اقترب منى أحدهم سائلاً عما أريد، ويبدو أن توفير رواية أو أكثر لدوستويڤسكى أو تولوستوى كان أمراً هيناً، لكنه وقبل أن يغادر بعد أن ضرب لى موعداً لإحضار ماطلبت، عرض على قائمة بأعمال من "الثمار المحرمة"، وبالطبع فقد وافقت. هنا تباع الرواية الكلاسيكية والسوڤيتية المثيرة للجدل، إلى جانب أعمال كتاب المهجر المحظورة وكذلك الروايات الأجنبية المترجمة فى الخارج إلى الروسية. وعن هذه الأخيرة، وعن "لوليتا" فلاديمير نابوكوف، واسمه الحقيقي سيرين، تحديداً أتحدث.
فى عام ١٩٦٥كتب نابوكوف يقول: "من الصعب عليّ تصور نظام، سواء أكان ليبرالياً أم شمولياً، فى وطنى المفرط فى التأدب، يمكن أن تسمح فيه الرقابة بلوليتا". ولكنه وبعد مرور ربع قرن تقريباً تظهر الأعمال الكاملة لنابوكوف كاملة فى خمسة مجلدات لتصبح "معشوقته المفضلة"، التى أعاد كتابتها بنفسه إلى لغته الأم، ضمن أفضل مائة كتاب صدرت فى الاتحاد السوڤيتى، وذلك وفقاً لنتائج مسابقة القراءة السنوية، التى عقدت على مستوى الاتحاد السوڤيتى عام ١٩٨٩. قبل ظهور الرواية بشكل رسمى كان النقد السوڤيتى محجماً تقريباً عن الحديث عن استقبالها فى الاتحاد السوڤيتى، باستثناء عدد قليل من المقالات كان أشهرها مقال يورى تشابلجين "سحر لوليتا"، الذى ظهر مبكراً للغاية فى عام ١٩٥٩، وكان مقالاً استثنائياً اختفى ليعود بعد نشر الرواية رسمياً.
على مدى مايزيد على ثلاثين عاماً، كانت الطبعات المهلهلة والمستنسخة من الرواية تجوب البلاد وحتى فى الأرياف. كان كل مهرب حريص على إدخالها إلى الاتحاد السوڤيتى، وكان قارئ واحد لنابوكوف يساوي مائة قارئ قانونى فى أنحاء المعمورة، على الرغم من أن سعر النسخة الواحدة بلغ ثمانين روبلاً فى هذه السوق السوداء، وهو مبلغ كان يزيد عشرة روبلات عن الحد الأدنى للأجور، بحيث يمكن للمرء أن يعيش عليه لمدة شهر كامل.
تقول إيليندا بروفير، أول من كتب عن قراء نابوكوف من الروس فى عام ١٩٧٠، أن كل شخص فى الاتحاد السوڤيتى مهتم بالأدب كان يقرأ على الأقل روايتين لنابوكوف إحداهما "لوليتا"، وقدجاءت بعدها روايتا "دعوة للإعدام" و "الموهبة". ووفقا لشهادة الناقد الكسي زيڤيديف، فإنه وبنهاية عهد خروشوف نالت روايتا "الحياة الحقيقية لسباستيان نايت" و "ضحك فى الظلام" شهرة واسعة، إذ كانتا لاتمثلان خطورة على القراء مثل رواية "لوليتا" سيئة السمعة.
فى عيد ميلاده السبعين تلقى نابوكوف عشرات من برقيات التهنئة أرسلها له معجبوه من الاتحاد السوڤيتى. لقد باتت "لوليتا" الآن متاحة وشعبية فى أوساط المثقفين ودخلت ضمن لوازم السادة المحترمين جنباً إلى جنب مع "مدار السرطان" و "مدار الجدى" لهنرى ميللر و "رباعية الأسكندرية" للورنس داريل و "عشيق الليدى تشاترلى" ل د. ه. لورنس. كان باستطاعة تجار الكتب أن يكسبوا كثيراً من وراء الطبعات الأولى لرواية "بطرسبورج" لأندريه بيلى، أو "تريستيا" لأوسيب ماندلشتام، بالقدر نفسه الذى يتربحون به من وراء النسخ الروسية من "لوليتا" طبعة دار نشر "فايدرا"، إذ كان الحصول على رواية بيلى وأشعار ماندلشتام أمراً عسيراً للغاية آنذاك. كانت "لوليتا" أكثر رواجاً حتى من "الدكتور چيڤاجو"، التى أزاحت "طفلة نابوكوف المدللة" عن المركز الأول فى قائمة البيست سيلر الأمريكية. وفى ليننجراد (بطرسبورج حالياً) كان من الممكن استئجار "لوليتا" لليلة واحدة مقابل خمسة روبلات مع وعد بعدم استنساخها، وعشرة روبلات ليسمحوا لك بتصويرها.
دخلت مؤلفات نابوكوف تلقائياً إلى ثقافة "النخبة" غير الرسمية، وإلى فئة من الصفوة كانت تشعر أنها على خلاف مع النظام.
وقد ظهرت فى كثير من البيوت صورة نابوكوف مقصوصة أو منتزعة من مجلة "أمريكا" مع إحدى لوازمه الشهيرة: فراشة، رقعة شطرنج أو قوس قزح. لقد حلت صورته الآن محل صورة هيمنجواى، التى كانت تزين بيوت الساخطين من الإنتليجنسيا الروسية. على أن الذين كانوا يقدرون نابوكوف تقديراً حقيقياً كانوا قلة. فغالبية الذين كانوا يتصيدون كتبه كانوا يفعلون ذلك جرياً وراء الموضة.
لم تكن شعبية نابوكوف فى الاتحاد السوڤيتى تعنى الإعجاب بالكاتب. كان الناس يندفعون فى لهفة نحو كتبه، ولكنهم وبعد أن ينتهوا من الصفحة الأخيرة، كانوا يصابون بالإحباط دون أن يتمكنوا من أنه يفهموا أين مكمن السحر فيها، ولماذا لا تتفق شهرة هذا الرجل مع كتبه. لقد كانت لغته وموضوعاته تختلفان اختلافاً شديداً فى الواقع مع تلك اللغة والموضوعات، التى اعتاد عليها القراء السوڤيت، الذين كانت لديهم خبرة خاصة وذائقة فريدة فى التعرف على الأدب المحظور.
ليست المسألة هنا فى أن هؤلاء القراء اصطدموا بظاهرة فنية جديدة فحسب، فمن الضرورى أن نؤكد على ثلاثة عناصر على الأقل حددت توقعات القراء. كان نابوكوف كاتبا محظورا وصاحب سيرة مثيرة للإهتمام، أحاطت باسمه هالة من المجد المشىن، إن جاز التعبير. جاءت أعماله إلى الاتحاد السوڤيتى عبر طرق وعرة. لم يكن من المدهش إذن أنه فى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى، عندما أصبح بمقدور الناس أن يتكلموا بصوت عال، أن امتلأت المقالات النقدية عنه بالعدوانية. كانت عدوانية قائمة على عدم فهم إبداعه، ناهيك عن الإشاعات التى انتشرت حول حياته. وإذا كان من الممكن قبل ذلك نسخ أعماله بسبب الضغط الأيديولوجى "من أعلى"، فقد بات باستطاعة النقد الآن ان يتحدث بحرية وأن يشبعه لوما وتقريعا.
كان غالبية المعجبين بالكاتب ممن هم دون الأربعين، بينما كان الجيل الأكبر من سن هومبرت هومبرت بطل نابوكوف. وهؤلاء رأوا فى موضوع "لوليتا" أمرا مثيرا للإشمئزاز. وبعضهم راح يقول: "هل من الممكن أن يوجد مثل هؤلاء المنحرفين نفسيا، ولماذا نكتب عنهم؟ آخر يقول: "أنا متأكد أن الكاتب نفسه مريض مثل بطله". هذا الجيل كان قد اعتاد على أن الأدب ينبغى أن يعلم الناس، وأن يكشف لهم الحقائق. فكيف لهم أن يعجبوا بكاتب يهدر موهبته فى قصص عن رجال شواذ وفتيات سيئات السمعة؟!
إن وصف القتلة والمنحرفين نفسيا وبأسلوب مستفز، ناهيك عما فيه من تعال، كان بالنسبة للجيل القديم مثالا على انحراف الكاتب نفسه، إلى جانب اعتباره شخصا فظا وقاسيا فى علاقته تجاه شخوصه، وحتى أكثر الناس إعجابا بنابوكوف اختلفوا حول إمكانية أن تكون الرواية قد جاءت غير دقيقة، فقد بدا لهم أن من العجيب أن يكون مؤلف "الموهبة" و "دعوة للإعدام" يمكن أن يكتب على هذا النحو من السوء، لم يكن هناك قارئ واحد تقريبا ممن قرءوا النص الإنجليزى أولا ثم النص الروسي للوليتا لم يقدر الجهد الذى بذله نابوكوف، الذى قرر أن يترجم الرواية بنفسه إلى الروسية، خشية أن تقع ، على حد قوله، "فى يد واحد من هؤلاء المترجمين الكادحين المؤذيين، فيفصل النص الروسي للوليتا على نحو مشوه تماما، ويعمل فيه قلمه دون مهارة بسبب مافيه من تعبيرات خشنة، فيبتعد به عن المعنى الحقيقي".
يمكن أن نقسم استقبال رواية لوليتا فى الاتحاد السوڤيتى بشكل تقريبى إلى أربعة مراحل على خلفية الوضع الأيديولوجى العام. فالأعوام من ١٩٥٩ وحتى ١٩٧١ هى زمن إدانة الرواية دون قيد أو شرط، عندما راح النقاد يصبون لعناتهم على "لوليتا" من مختلف وجهات النظر باعتبارها "سما روحيا" و "ثمرة المهاجر، الذى با ع وطنه وخانه"، الأعوام من ١٩٧٢ إلى ١٩٨٥، خرجت فيها "لوليتا" إلى الحياة العامة للدراسات الأدبية باعتبارها ظاهرة من ظواهر الحداثة الأمريكية للتوقف بذلك إدانة الرواية، وبدلا من الهجمات البذيئة المناوئة الموجهة للوليتا، رفعت الرواية حتى تم اعتبارها "تعليق ساخر على بنية الحياة البورجوازية مابعد الحرب". الأعوام من ١٩٨٦ و حتى ١٩٨٨ وفيها بدأت مناقشة الرواية، التى لم تعد محظورة فى الاتحاد السوفيتى، وذلك فى سياق أعمال نابوكوف الأخري، وحتى يتم تحديد مكانتهابالنسبة لمجمل إبداعه كله. الأعوام من ١٩٨٩ وحتى ١٩٩١ وصل الأمر إلى حد أن راحت "لوليتا" تصدر فى الاتحاد السوڤيتى. ضمن سلسلة الكتب التى تصدرها سلسلة "دار الآداب الأجنبية"، وهى الدار ألتى أشبعت فى الحقيقة جوع القارئ السوڤيتى إلى الأدب الأجنبى سنوات طويلة. وصلت الطبعة الأولى السوڤيتية إلى مائة ألف نسخة، بينما وصل عدد النسخ التى أصدرتها دار نشر "أوليمبيا" فى باريس عام ١٩٥٥ إلى خمسة الآف نسخة، والطبعة الأمريكية عام ١٩٥٨ فى نيويورك عن دار نشر ج. ب بوتنام اثنين وستين ألف وخمسمائة نسخة نفدت خلال أربعة أيام. أما المائة ألف نسخة السوفيتية فنفدت خلال ثلاثة أسابيع، وعلى مدى ثلاث سنوات بلغ عدد النسخ التى صدرت فى الاتحاد السوفيتى حوالى مليونى نسخة، إلا أنها لم تجد الرواج المنتظر كما حدث فى الستينيات والسبعينيات.
لخصت الموسوعة السوڤيتية الكبري رواية "لوليتا" فى فقرتين فقالت عنها أنها "خبرة الجمع بين الإيروتيكى والاجتماعى الأخلاقى"، وهى السمة التى تعد "أحد أكثر التعبيرات وضوحا عن الحداثة فى الأدب"، وأن إبداع نابوكوف موجه، "للصفوة"، وبناء على ذلك استمر النقد السوڤيتى يتعامل مع الرواية على المنوال نفسه باعتبارها هجاءللواقع الأمريكى. وقد أشار نابوكوف أكثر من مرة إلى أنه وصف "الفحش" بوجه عام، وأن من الممكن أن نضع ديكورات أوروبية بدلا من الديكورات الأمريكية بالقدر نفسه من النجاح.
لم يجد القراء الروس العالمين بالنقد السوڤيتى سببا لاعتبار نابوكوف معاديا للنظام السوڤيتى، إذ لم يجدوا سببا مقنعا لمنعه على أسس سياسية، فليس فى أعماله أى انتقاد أو تشهير بالظواهر السوفيتية المعروفة، جاء هذا الرأى على خلفية روايات مثل "أرخبيل جولاج" و ”أطفال أرباط" وحتى "الكتور چيفاجو" وغيرها من الأعمال المعادية للشمولية، والآن وبعد اختفاء الاتحاد السوڤيتى أصبحت "لوليتا" تمشى فى الأسواق متاحة للجميع، لكنها تبدو وسط هذا الركام الهائل من الروايات الإباحية وأفلام الجنس بريئة وعاطفية تماماً، وخاصة بعد اختفاء سوق الكتب السوداء فى شارع كوزنيتسكى.